الجمعة، 16 فبراير 2018

حكايات 2011



 مطلع عام 2011، كانت غالبية الشعب المصري تكره الثورة ومن قاموا بها، وتقاومها بكل الوسائل. لا تصدق الأكاذيب الرائجة بأنها كانت ثورة شعب، أو أن عشرين مليون مصري شاركوا فيها، فمن شاركوا في الثورة لا يزيد عددهم عن مليوني شخص في كل أنحاء البلاد. ظهرت الملايين فقط في الاحتفال بتنحي حسني مبارك، وغالبيتهم كانوا ضد الثورة، لكنهم نزلوا إلى الميادين والشوارع لالتقاط الصور، حتى أن بعضهم تحدث عن بطولاته في الميادين خلال الثورة، بينما كان في الواقع يشاهد ما يجري في التلفزيون مكتفياً بصب اللعنات على المتظاهرين الذين يهددون استقرار البلاد. في أيام الثورة الأولى كانت حملات التخوين والتشويه على أشدها، ثم اشتد عود الثورة لأنها استطاعت تغيير الواقع، فبدأ الآلاف ينضمون أو يتعاطفون، وبدأ خفوت أصوات ملايين الرافضين المتشدقين بما تنشره الأجهزة الأمنية حول العمالة والكنتاكي والأجندات. خلال السنة اللاحقة لتنحي مبارك عن الحكم، تبلورت قدرات وخبرات جهات مقاومة للتغيير ترغب في قتل مكاسب الثورة كونها تضر بهم وبمصالح ضخمة حصدوها في ظل أنظمة فاسدة سابقة. كان واضحاً أن الخيوط كلها تدار من مكان واحد داخل أحد مقرات الجيش الذي تولى السلطة بعد مبارك. الحكام الجدد "العسكر" يكرهون الثورة ومن قاموا بها، لكنهم في الوقت ذاته أبرز من استفاد منها، فقد أنهت ملف توريث الحكم لجمال مبارك، والذي كانوا يرفضونه لأنه مدني وليس منتمياً إلى المؤسسة العسكرية، كما أن الثورة جعلتهم يستعيدون قوتهم التي فقدوها لصالح الشرطة التي أكسبها مبارك مساحات واسعة من السيطرة على البلاد على حسابهم. بمرور الشهور، بات واضحاً لكل ذي عقل أن العسكريين يعملون على تقويض الثورة وإزالة مكاسبها القليلة، علماً منهم أن تحقق أهدافها سيكون وبالاً عليهم. على الجانب الآخر، لم يكن المشاركون في الثورة يدركون خطورة ما يحاك لهم، وكانوا يتعاملون مع قيادات المجلس العسكري الحاكم بسذاجة مفرطة، لا تخلو من شعور زائف بالانتصار على النظام السابق، رغم أن غالبية رموز هذا النظام في كل المجالات كانت حاضرة في الساحة. نجح العسكريون في كل ما فشل فيه المدنيون، ربما لأنهم كانوا أكثر خبرة، أو لأن الدولة العميقة كانت أقرب إليهم من الثوار، فقد صنعوا أحزاباً وتكتلات، وامتلكوا وسائل إعلام، واستمالوا مثقفين وفنانين وكتاباً. في المقابل، تفرغ الثوار للصراع على غنائم متخيلة، ولم تنجح مساعيهم لتشكيل أحزاب أو كيانات سياسية أو إعلامية حقيقية، وباع كثير منهم نفسه للسلطة الجديدة، فخسروا وخسرت الثورة.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 20 يناير 2018

ماذا عن تحرش النساء بالرجال؟



 تشتعل دورياً حملات التنديد بالتحرّش وفضح المتحرّشين في أنحاء العالم. تخبو قليلاً ثم تعود مجدداً للظهور، وكأنّها جريمة بلا رادع، على الرغم من أنّ عشرات القوانين تعاقب مرتكبيها. المثير دائماً في تلك الحملات أنّها تقتصر على تحرّش الرجال بالنساء، وكأنّه لا وجود للتحرّش من جانب النساء، على الرغم من أنّ التحرّش فعل يقوم به الجنسَان يوميا تجاه بعضهما البعض، وبأشكال مختلفة، ولأغراض متباينة. تروّج النساء دوماً أنهنّ ضحايا الرجال، ولا يتوقف منذ قرون الحديث عن ذكورية المجتمعات التي تعامل النساء باعتبارهنّ جنساً أدنى. وعلى الرغم من أنّ النساء حصلنَ على كثير من الحقوق، إلا أنّ بعض حقوقهنّ ما زالت منقوصة، لكنّ النظر إلى الصورة الأوسع للظلم تؤكد أنّه واقع على الجنسَين، وليس على النساء وحدهنّ. في مقابل مظلومية النساء القائمة تلك، تدعم بعضهنّ ذكورية المجتمع بأشكال مختلفة، خصوصاً في المجتمعات الفقيرة والمحافظة، فهناك من يركنّ إلى عدم العمل اعتماداً على الزوج، أو يتحججنَ برعاية الأطفال لعدم تحمّل مسؤوليات عائلية، وبعضهنّ يعتمدنَ في كثير من شؤون حياتهنّ على الرجل، الأب أو الأخ أو الزوج أو الابن. جمعتني بأصدقاء مناقشة حول التمييز بين الجنسَين، فأشار صديق إلى التصريحات المتوالية لعدد كبير من نجمات السينما العالمية حول جرائم تحرّش تعرّضنَ لها من نجوم ومخرجين ومنتجين، بعضها حدث قبل أن يتحوّلنَ إلى فنانات شهيرات. يرى صديقي القريب من الفنانين أنّ تحرّش الممثلات الصاعدات بالمخرجين والمنتجين والنجوم ظاهرة معروفة، وأنّها أحياناً طريقهنّ إلى الشهرة السريعة، ويرصد علاقات عابرة أو زيجات قصيرة بين فنانين كبار وفتيات صغيرات تحوّلنَ بعدها إلى نجمات، كدليل على تحرّشهن بهؤلاء الرجال لتحقيق أغراضهنّ. وتلفت صديقة إلى نظرية تبدو منطقية لتفسير تجريم التحرّش بالنساء دون التحرّش بالرجال، مفادها أنّ أغلب الرجال لا يرفضنَ تحرّش النساء بهم، وأنّ الرجل يشعر بنشوة ذكورية زائفة عندما يتعرّض للتحرّش، وغالباً ما يستجيب، في حين أنّ غالبية النساء يرفضنَ تحرّش الرجال بهنّ، ويشعرنَ بأنّه انتقاص من كرامتهنّ، وغالباً ما يقاومنَه. لا يمكن بحال إنكار وجود التحرّش كظاهرة في كلّ الأوساط المهنية، في الفنّ كما في الطب كما في الإعلام، وغيرها، لكنّه في الأغلب تحرّش متبادل. يتحرّش المدير بموظفاته، وتتحرّش الموظفات بمديريهنّ، ويتحرّش الكبار بالشابات بحثاً عن شعور زائف بشباب زائل، أو استغلالاً للنفوذ، وتتحرّش الشابات بكبار السنّ طمعاً في أموالهم أو نفوذهم، أو بحثاً عن نموذج أبويّ. رغم ذلك، ما زال التحرّش جريمة ملتصقة بالرجال دون النساء.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الخميس، 18 يناير 2018

التشدق بقضية فلسطين





 يتشدق العرب، حكاما ومحكومين، منذ عقود، بأن فلسطين قضيتهم الأولى، لكن الأمر لا يتجاوز الحناجر عادة، بينما الواقع أن مساعي التطبيع جارية على قدم وساق.

 يكاد لا يمر يوم دون أن تسمع حاكما من هنا وزعيما سياسيا من هناك يردد المقولات المحفوظة عن القضية العربية والعدو الإسرائيلي، والأقصى الأسير والهيكل المزعوم، وتهويد القدس وجدار الفصل وغيرها، قبل أن يضاف إليها مؤخرا مصطلحات جديدة بعد قرار الولايات المتحدة بنقل سفارتها إلى القدس باعتبارها عاصمة لإسرائيل.
 بعد القرار الأميركي عادت القضية إلى الواجهة بفعل انتفاضة الفلسطينيين الغاضبين، فعقدت عربيا وعالميا، مؤتمرات وندوات، وظهرت تصريحات رسمية وشعبية منددة ورافضة، لكنها جميعا لم تتجاوز التشدق الكلامي إلى رد فعل حقيقي.
بات الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ستاراً لإخفاء الجبن العربي. تنتهك المقدسات والحقوق، ويقتل البشر ويعتقلون يومياً في فلسطين ولا يتحرك العرب، يكتفي الحكام بالشجب والتنديد، ويكتفي المحكومون بتكرار أنهم مقهورون لا يملكون وسائل المقاومة.
كثير من المواقف تجاه فلسطين وشعبها بات هدفه الأساسي تحقيق مكاسب سياسية أو انتخابية، أو التعمية على مشكلات اقتصادية واجتماعية محلية، وقد تترجم في بعض الأحيان إلى تبرعات بفتات أموال تنفق ببذخ على اللهو والملذات.
  نحو نصف قرن مرت ولم يطلق العرب رصاصة لتحرير فلسطين، رغم أن بعضهم يتشدق يوميا بالمقاومة، ويستخدم تلك المقاومة المزعومة لتهديد الآخرين، كما يفعل حزب الله في لبنان، وما أكاذيب النظام السوري عن الممانعة المزعومة إلا مثال واضح، وما حرص النظام المصري على السلام الدافئ مع إسرائيل إلا دليل آخر.
أغلب حكام العرب لا تهمه القدس ولا الأقصى بقدر مواصلة سرقة مقدّرات شعب يحكمه بالحديد والنار، وبعضهم يحميه من يحمون بقاء إسرائيل، ما يعني أنه لا يملك قرارا، وإنما تحركه أجندة الحماية الخارجية.
بعض العرب يحرّض العدو على المقاومة الفلسطينية، وبعضهم يتهم المقاومة بالإرهاب تضامناً مع عدوها، وبعضهم يقاطع المقاومة ويعتقل عناصرها تودداً للعدو الذي باتت تربطه بمعظم الأنظمة العربية علاقات وثيقة. سمعنا مراراً أن تحرير فلسطين يمر من دمشق، أو يمر من بغداد أو القاهرة أو الرياض، أو حتى أنقرة أو طهران، لكن يبدو أن تحرير العواصم العربية والإسلامية قد يبدأ من القدس.
  كان انطلاق الربيع العربي إنذاراً لهؤلاء، ولهذا تحالفوا ضده لإجهاضه، لكن الواقع أن النار مشتعلة تحت الرماد، وأن موجة جديدة من الثورات ستتفادى أخطاء الموجة السابقة.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 12 يناير 2018

ترف نفاد الصبر




 كان صديقي ملتزماً بالنقاش لمعرفة آراء الآخرين، وبالتبعية إبداء آرائه الثابتة التي تتلخص في ضرورة إزالة حكم الفرد في كل بلدان العالم، ومنح الشعوب حرية اختيار حكامها، والتعامل مع الحاكم كموظف مهمته تنفيذ رغبات من يحكمهم.
 كان يرى أن تلك المبادئ جزء لا يتجزأ من محاولة تحقيق الرفاه للمواطنين حول العالم، وأن محاولات التعدي المتواصلة على تلك الحقوق هي السبب الرئيس في كل المآسي التي عرفها العالم، والتي تهدر فيها الأرواح والثروات والحقوق.
لما انطلق الربيع العربي شعر بنشوة كبيرة، وظن أن الوقت قد حان لتتحقق آماله التي ظل يروّج لها لسنوات، وكان فخوراً بالشباب الذي ملأ الميادين بصدور عارية في مواجهة قمع الحكومات المستبدة الفاشلة، والتي لم تتورع عن إطلاق الرصاص عشوائياً على المعارضين بعد اتهامهم بالخيانة. 
 بمرور السنوات وتوالي انتصارات الثورة المضادة، نفد صبره، وبات سريع الغضب، وكان ينزوي لأيام، ويهرب من التجمعات التي تضم من يعبرون عن آراء لا تعجبه، أو لا توافق مبادئه. لكن أزمته الشخصية تطورت إلى ما هو أبعد من الانزواء، فبعد أن كان حريصاً على حرية الشعوب، ويناضل لجعل الآخرين يدركون أن حريتهم حق وليس منة من الحاكم، بدأ حماسه يخبو، وبات يصب غضبه على هؤلاء الحريصين على بقاء الحكام المستبدين، بعد أن كان سابقاً يشفق عليهم.
أغلق التلفزيون من فوره، وأمسك بهاتفه يطالع ما يكتبه أصدقاؤه عبر مواقع التواصل. من بين ما طالعه منشور لصديق عمره الذي يقف على النقيض منه، والذي كتب أن الشعوب العربية لا يمكن أن تحكم إلا بالحديد والنار، وأن ما يسميه البعض ربيعاً لم يكن إلا خراباً على العرب، معتبراً أن الشعوب العربية لا تفهم الحرية، ولا تستطيع دفع تكلفتها أو تحمل مسؤولياتها.
جلس يشاهد نشرة أخبار منتصف النهار التي كانت تعرض مشاهد لحروب وصراعات وأزمات، وتتوالى فيها أخبار القتلى والدماء، من فلسطين إلى الصومال، ومن العراق إلى سورية إلى اليمن إلى ليبيا، وحتى في مصر وتونس. انفجر غاضباً: "العرب لا ينتجون إلا المشكلات. العالم بدون العرب سيكون أفضل".
  هاله ما قرأه، لكنه كان سبباً مباشراً في عودته إلى صوابه الذي كاد يفقده بسبب الإحباط من مآلات الثورات في بلاد العرب. قرر أن يعود إلى مبادئه الأساسية التي تتهم الحكام بالمسؤولية عن كل كوارث الشعوب، لكنه هذه المرة لم يكن بنفس التعاطف السابق مع الشعوب، فأحداث السنوات السبع الأخيرة في رأيه لا تترك للشعوب مجالاً للتنصل من مسؤولية تضييع الفرصة التي كانت سانحة، والتي كادت أن تتحول إلى واقع.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الخميس، 11 يناير 2018

أم كلثوم والشيخ زكريا







فى سنة 1951 اشتد الخلاف بين أم كلثوم، والشيخ زكريا أحمد. لينتهى فى أروقة القضاء، حيث طلب الشيخ وقف إذاعة الأغنيات التى لحنها للست أو تعويضه التعويض المناسب.
فى أوراق القضية والمذكرات المتبادلة نطلع على نص فلسفى وليس مجرد ردود قانونية...
قالت أم كلثوم إن اللحن أحد العناصر المكونة لفن أم كلثوم، وهو ملكية خالصة لها تحمل طابعها كمطربة الشرق. 
ورد زكريا أحمد إن أم كلثوم مجرد مؤدية مهمتها توصيل رسالة الشاعروالملحن. وأضاف: لوحظ لدى رجال السمع عند جماعات المتتبعين لصوت المطربة المعلن إليها أنها كلما أرادت أن تخلو بخيالها إلى مفارقة ما وضعه الملحن من أصول موسيقية معينة فى الأغنية، وأنها تعمل من جانبها على محاولة الخروج عن أصول الأداء التلحينى المرسومة، وكلما فعلت ذلك فشلت فشلا ذريعا يكشف ما عرفت به من أنها لا تقدر على تلحين أية أغنية مهما صغرت فى صياغتها.
ظلت القضية متداولة فى المحاكم يتناوب عليها القضاء حتى وصلت إلى قاضى مستنير، ظل يتحدث ثلاث ساعات كاملة عن الخسارة أو النكبة التى أصيب بها الفن فى مصر بسبب خلاف الاثنين. وحكم فى النهاية بأن يلحن الشيخ ثلاث أغنيات لأم كلثوم مقابل 700 جنيه للشيخ عن كل أغنية. فكانت رائعتهما "هو صحيح الهوى غلاب".



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الثلاثاء، 9 يناير 2018

قصيدة "يقول الدم العربي" للشاعر فاروق شوشة





أخيراً،

يقول الدم العربيُّ:
تساويْتُ والماءَ
أصبحتُ لا طعْمَ،
لا لوْنَ،
لا رائحة!

أخيراً،
يقول الدم العربيُّ:
أسيلُ...
فلا يتداعى ورائي النخيلُ
ولا ينبتُ الشجرُ المستحيلُ
أسيلُ....
أُروّي الشقوقَ العطاشَ،
وأسكبُ ذاكرتي للرمالِ،
فلا يتخلّقُ وجهُ المليحةِ،
أو حُلمُ فارسها المستطارِ،
وأنزفُ حتى النخاعِ،
وينحسرُ المدُّ،
تنبُتُ فوقي حجارتُكم،
مدناً تتمدّدُ أو تستطيلُ
وتأكل ما يتبقّى من الأرضِ،
لكنها أضرحة!
****

أخيراً،
يقول الدمُ العربيُّ: اكتفيْْتُ
تجاوزتُ جسْرَ الشرايينِ،
أسرجتُ خيلي بقلبِ العراءِ،
وخيّمْتُ في نُقطةِ الجدْبِ
أحكمْتُ أغنيتي
وانتشيتُ لنفسي
وقلتُ:
أطاولُ كلّ الدماءِ التي أنضجتْها الحرائقُ،
كلّ الدماءِ التي أهرقتها الملاحمُ،
كلّ الدماءِ التي اعتصرتْها المآدبُ،
فاخرْتُ أني الوحيد الذي
جعلوا من بقاياهُ خاتمة للبكاءِ
وفاتحة للغناءِ
ومن رئتي مذبحة!
****

أغوص بذاكرةِ الرمل،
وجهي عروسُ تخطّفها الموتُ،
والقاتلُ الهمجيُّ
تغيبُ ملامحُها
ويغيبُ الهوى العربيُّ
قاومْتُ،
فانفلتت فيّ فُقَّاعةُ،
وانطفْأتُ،
تشاغلْتُ،
أحكمتُ فوق ملامحها قبضتي
واسترحْتُ،
أغوصُ بذاكرةِ الرُّعبِ،
وجهي سحابةُ يُتْمٍ،
تُعشّشُ في كل بيتٍ
وتتركُ بعض عناكبها في تراب الملامحِ
وجهي الذي يتشكّلُ في كل حالٍ،
ويلبسُ أقنعةً لا تبوحُ،
وينظرُ في رحمِ الغيْبِ،
ماذا تُجنُّ الغيومُ؟
وماذا تقولُ البروقُ؟
وماذا تخبّئُ عاصفةُ في العروقِ،
ودمدمةُ في الرؤوسِ
وأشبهت الليلةُالبارحة!
****

أخيراً،
يقول الدم العربيُّ المسافرُ عَبْرَ العواصمِ
والمتجمّعُ خلْفَ الحواجزِ
والمتناثر في كل أرضٍ:
تعبتُ
وهذي بقيةُ لحمي،
وهذي هويّةُ جلدي
وبعض ملامح أرضي التي سكنتْ في العيونِ،
تعبْتُ،
فمن يحملُالآن عني بقية يومي،
وأشلاء حُلمي،
ويمضي...

تعبتُ....
الدروبُ يُلاحقها الموتُ،
يسكنُها الصمتُ
والقلبُ يملؤهُ القهرُ،
والشّاحنات الرجيمةُ ترتدُّ عبْرَ الزوايا
شظايا

تعبتُ...
المدى... لا يُبينُ
الصدى... لا يُبينُ
ووجهيَ مازال مُنسحقاً
في جبين المرايا...
تلاحقهُ اللعنة الجامحة!



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

كيف اخترقت السينما الأميركية ستارة تشاوسيسكو الحديدية؟







يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 5 يناير 2018

عن الدولجية العرب




 تظاهر الشعب الإيراني ضد الفساد والاستبداد والغلاء والبطالة، فبرز صوت "الدولجية" العرب ترويجاً لحريتهم في التظاهر، رغم أن التظاهر محظور في أغلب بلدان العرب. دعم الدولجية حق الشعب الإيراني في مواجهة نظام يحكمه بالحديد والنار، رغم أنه لا فارق بينه وبين أنظمة الحكم في بلدانهم.
 تحوّلت دعوات الدولجية العرب الداعمة للتظاهرات إلى مثار للسخرية بسبب التناقض الظاهر في خطابهم الذي يطالب بحرية الرأي للإيرانيين، وكان مثاراً للأسى لأن تلك الحرية لا تتوفر لهم، إذ لا يملك أي منهم أن يعبر عن رأيه بحرية في النظام الذي يحكم بلاده.
"الدولجية" هم الأشخاص الذين يناصرون الأنظمة الحاكمة ظالمة أو مظلومة، بغضّ النظر عن قدرتها على إخراج البلاد من مشكلاتها، حتى وإن كانت الأنظمة نفسها هي المشكلة الأكبر، وهم الجموع التي تظهر فجأة لتهتف باسم الحاكم، خاصة في أوقات الأزمات، وعادة في حماية قوات النظام، والذين ظهروا منذ الأربعاء في إيران أيضا، حيث امتلأت بهم الشوارع رافعين شعارات مؤيدة للنظام في مواجهة من يطالبون بتغييره.
 عرفت كل عصور التاريخ الدولجية، لكن المصطلح بات شائعاً في السنوات الأخيرة، معظمهم ينتمون إلى الطبقة الدنيا، وبعضهم من أبناء الطبقة المتوسطة، ويتميز "الدولجي" بأنه شخص محدود الثقافة، محدود الوعي، وربما محدود الذكاء، لكن قدرتهم على التجمع والهتاف والجدال غير محدودة. تلازم غياب الوعي مع الفقر يجعل من توجيه هذه الفئة مهمة يسيرة على من يملك المال أو السلطة، وتلجأ الأنظمة الفاشلة أو الفاسدة أو القمعية إلى هؤلاء دوماً لإسباغ جماهيرية كاذبة على سياساتها، حيث تعتبر الأنظمة تلك الجماهيرية المصنوعة المدفوع ثمنها مسبقاً، نوعاً من الشرعية.
"الدولجي" الأخطر، ليس هذا الفقير غير الواعي، وإنما هو آخر ثري أو مرفّه، وبقدر خطورة محدودي الوعي على مستقبل الأمم، يظل خطر المثقفين والنخبويين والأثرياء "الدولجية" أكبر، لأنهم يؤثرون في قطاع عريض من المواطنين بتبريراتهم التي تحتاجها كل الأنظمة الفاشلة.
ينطلق "الدولجي" من قاعدة أن بقاء النظام أفضل من زواله، وأن الفقر مع الاستقرار، حتى لو كان مزعوما، أفضل من الفوضى المحتملة، وتغذّي أنظمة الحكم المستبدة تلك القاعدة بترويج شعارات تحذّر من مصير شعوب مجاورة. يدافع "الدولجي" عن النظام بكل ما يملك، بعضهم يفعل ذلك لأن النظام يدفع له، وبالتالي فالأمر مصدر رزق، وفي مرحلة ما يدافع من دون مقابل، خشية أن يزول هذا النظام ويأتي نظام آخر يختار "دولجية" آخرين، فتضيع عليه امتيازات كان ينالها.
 


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 29 ديسمبر 2017

الذكرى السنوية للربيع

مع حلول ذكرى الربيع العربي سنوياً، يتجدد الجدال بين المؤيدين والمعارضين. بين فريق يراه حلاً للأزمات العربية المتراكمة، وفريق يراه مؤامرة خارجية لتدمير دول كانت تزعم أنّها مستقرة. بين من يرون أنّ ما قبل الربيع أفضل ممّا بعده، ومن يرون أنّ تعمّد إفشاله هو سبب ما نحن فيه من بلاء، متجاهلين أنّ أنواعاً أخرى من البلاء كانت قائمة قبله. وسط النقاش السنوي المتجدد، يلجأ بعضهم إلى استحضار ما عاشه من ذكريات، وما عاش فيه من أحلام، ويُظهر آخرون ما يضمرونه من كراهية، كما تتكشف فصول جديدة من قصة الربيع وفصول المؤامرة على أحلام شبابه. انتصرت الثورة المضادة في دول الربيع بأشكال مختلفة، ولم تتحقق الأهداف الرئيسية التي خرج المواطنون في عدد من الدول من أجلها، حتى في تلك الدول التي تغيّرت فيها الأنظمة، كان التغيير شكلياً أو غير متوافق مع الطموحات. فشل الربيع العربي واقع لا يجادل فيه إلا أعمى، حتى تونس التي ندّعي أنّها أحسن حالاً من باقي بلدان الربيع ليست في أفضل أحوالها، وما زالت تعاني من مشكلات عدّة، اقتصادياً واجتماعياً، وإن كان بعضهم في دول أخرى يحلمون أن تصل بلادهم إلى ما وصلت إليه تونس. لا يمكنك بحال أن تقارن الوضع المرتبك في تونس بالدمار والقتل وضبابية المستقبل في سورية أو اليمن أو ليبيا، ولا يمكنك مقارنة تونس بالوضع في مصر التي تعيش وهم انتظار الانتخابات الرئاسية المقبلة، في ظلّ تدمير كامل لكلّ مكتسبات الثورة التي تفاءل بها كثير من العرب لإنقاذهم من الأنظمة المستبدة القابعة على مقاعد الحكم في بلدانهم. أحوال من شاركوا في الربيع العربي أيضاً متباينة بتباين أحوال بلدانهم، أو البلدان التي انتقلوا إليها، وكذا بقدرتهم على التحمّل أو التمسّك بالأمل. بعض هؤلاء قرّر الانضمام إلى تيارات متطرّفة، وبعضهم قرّر الانعزال عن الدنيا، وبعضهم الآخر قرّر عدم الصدام مع الأنظمة الجديدة وانصاع للأوضاع الجديدة ليصبح مواطناً على مقاس النظام، لكنّ فريقاً ثالثاً ما زال يقاوم. يرى كثيرون، أنّ الثورات المضادة كانت حتميّة، فالأنظمة التي قامت الثورة عليها لم تكن لتسمح لتلك الثورات أن تنجح، وكانت منذ اللحظة الأولى تتحيّن الفرص للإجهاز عليها بالتعاون مع أنظمة أخرى شعرت بالتهديد من تقويض عروشها بعد الثورات، مثلما انتقلت الشرارة من تونس إلى مصر ثم إلى ليبيا واليمن وسورية. الواقع يظهر أيضاً أنّ سذاجة الثوار، وسوء النخبة من مثقفين وفنانين وأكاديميين، وفساد العسكريين، كلّها أسباب مباشرة لفداحة نتائج الثورة المضادة التي ضربت بلداناً لطالما تفاخرت بالحضارة.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الثلاثاء، 26 ديسمبر 2017

صلاح عيسى.. نهاية رحلة من اليسار إلى السلطة



عام 1986، صدر كتاب "مثقفون وعسكر" (مدبولي) في القاهرة لـ الكاتب المصريالراحل صلاح عيسى (1939-2017)، والذي أعلن وفاته اليوم الإثنين، في مستشفى المعادي العسكري، بعد صراع مع المرض امتد لأسابيع.
في الكتاب، رصد عيسى عدداً من الوقائع التي دونها في مقالات أو كان شاهداً على تفاصيلها، وأغلبها يدور حول نفاق المثقفين للسلطة في عصر الرئيسين المصريين الراحلين جمال عبد الناصر وأنور السادات، وهي الفترة التي كان الكاتب منتمياً فيها إلى اليسار المصري، حتى أنه تعرض للسجن عدة مرات في 1966 و1977 و1981، وللطرد من عمله مرات أخرى بسبب أرائه السياسية.
يفصّل عيسى حقيقة مثقفي الأنظمة في كتابه قائلاً: "عرفنا أنماطاً من المثقفين يفهمون الثقافة والفكر على أنها لسان ذرب، وقلم سيال، وعقل يملك مهارة الاحتيال على الحق ليصبح باطلاً، وعلى الأسود ليجعله أبيض، يلعبون بالأفكار ويضحكون على الذقون، ويسربلون الأغراض الدنيئة بأنبل الشعارات".
ويضيف "معظم هؤلاء للأسف من أصول اجتماعية متواضعة، نحتوا بأظافرهم فى الصخر طريقاً صعباً ودامياً ليصعدوا من أسفل السلم الاجتماعى إلى حيث يصبحون أقرب ما يكونون إلى القمة، وحين يجدون أنفسهم هناك، تأسرهم أضواء الكاميرات، ويفقدون تقدير أنفسهم، فيستكثرون ما وصلوا إليه، ويعضون بالنواجذ عليه، حتى لا يضيع، ويتملكهم رعب السقوط إلى القاع الذى صعدوا منه، وتصطك أوصالهم وأسنانهم فرقاً من أعباء الانتماء للفقراء الذين كانوا منهم يوماً، ورعباً من السجون والفصل والتجميد، فيتطوعون لتبرير كل ما يفعله السادة، ويقنعون أنفسهم بأن الثقافة حرفة كالحدادة والسباكة والنجارة".
ويتابع "كما أنه ليس من حق الحرفي أن يرفض عملاً، اعتراضاً على رب العمل، فليس من حق المثقف أن يضن بحرفته على أي نظام حكم، وبذلك أصبحوا بعضاً من حاشية السلطان، يدافعون بشراسة عن الذين لا يؤمنون به، ويهاجمون بشراسة ما يعتقدون أنه الصواب والحق، يقفون كالحجّاب على أبواب السلاطين، لا يغادرون مكانهم حين يغادر السلطان عرشه، ولكنهم يغيرون مواقفهم إذا ما عنّ للسلطان أن يغير مواقفه، أو يوم يخلفه خليفة يسير على خط سلفه بممحاة".
ينتقد الكتاب الكاتب الراحل يوسف السباعي، ويتهمه بالتضييق على الكتاب اليساريين، ويسميه في الجزء المخصص عنه "الكولونيل"، في إشارة صريحة إلى كونه عسكري سابق، كما ينتقد مواقف الكاتبين الراحلين نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم المؤيدة لاتفاق السلام الذي عقده السادات مع إسرائيل في كامب ديفيد، ويرصد أيضاً حواراً له مع الكاتب محمد حسنين هيكل حول كتابه "خريف الغضب" الذي يتناول عهد السادات بانتقاد شديد.
من النصوص اللافتة في الكتاب قوله "عرفنا مثقفين أقوياء فيهم صلابة حقيقية وشجاعة داخلية، تتوزع على مدى العمر، وتنمو مع التجربة، وتؤثر إيجابياً في بناء الآخرين، وأخرى فيها صلابة هشة تتجمع في موقف، أو تتركز في بضع سنوات، ثم تنكسر مع العمر فتنثني ولا تعتدل! جيلنا من المثقفين العرب، مصريين وغير مصريين، سيدخل التاريخ من باب السيكولوجيا، لا من باب الأدب أو الفن أو الفكر".



في سنوات لاحقة، أصبح عيسى أحد رجال سلطة حسني مبارك، ودخل ما كان يطلق عليه وزير ثقافة مبارك، فاروق حسني، حظيرة الدولة، فبات يكتب في صحفها الرسمية، ويظهر في قنواتها الرسمية، ثم أسند إليه رئاسة تحرير صحيفة وزارة الثقافة، والتي تسمى "القاهرة"، ليصبح أحد منظري النظام في ميدان الثقافة، وينتهي عيسى المعارض، حتى وفاته مؤيداً لعبد الفتاح السيسي.
وكان عيسى أحد المثقفين الذين قابلوا مبارك يوم 30 سبتمبر/أيلول 2010، قبل أقل من أربعة أشهر على ثورة يناير التي أطاحت به، وقد أفردت لهم صحيفة "الأهرام" الرسمية، صفحة عنوانها "لقاء مبارك مع المثقفين.. بأقلام كتاب الأهرام"، مزينة بصورهم.
لم يكن مفهوماً لكثيرين أسباب التحول، خاصة وأنه طاول عدداً من المثقفين اليساريين، ومنهم الراحلين محمد سيد أحمد ورفعت السعيد، والكاتب محمد سلماوي وغيرهم، فمن يقول إن المناضلين أتعبهم النضال فاختاروا الركون إلى الراحة لأنهم اكتشفوا أن النضال بلا جدوى، ومن يرى أنه تم تخييرهم بين الانضمام إلى حظيرة السلطة أو البقاء في السجون، وربما السبب هو ذلك الذي أورده عيسى في كتابه، من أنهم "يتملكهم رعب السقوط إلى القاع الذي صعدوا منه، ورعب من السجون والفصل والتجميد، فيتطوعون لتبرير كل ما يفعله السادة".
في سنة 2010، أصدر صلاح عيسى كتاباً بعنوان "شخصيات لها العجب"، يمكن اعتباره نقيضاً مناسباً لكتابه "مثقفون وعسكر". الكتاب الأحدث كان أيضا تجميعاً لمقالات منشورة مثل الكتاب الأقدم، لكن تلك المقالات نشر أغلبها في صحيفة وزارة الثقافة التي كان عيسى يرأس تحريرها، وبالطبع كانت محددة بسقف النظام، وفيها يلتمس الكاتب الأعذار لكثير من الشخصيات التي صب عليها غضبه في سنوات حياته السابقة، وكأنه يعتذر عن تهوره في انتقاد المثقفين والكتاب في عهدي عبد الناصر والسادات، واتهامهم بنفاق السلطة وتشويه وعي المجتمع، ربما لأنه فعل مثلهم في عهد مبارك.
من أوضح ما كتبه عيسى في "شخصيات لها العجب"، والذي يمكن اعتباره نموذجا للتحول من النقيض إلى النقيض، ما كتبه عن الكاتب الراحل لطفي الخولي (1928 ـ 1999)، وعنه يقول: "تعلّم جيلنا الثورة والتمرد من الخولي، ومن جيله، لاحقاً، كنا ننظر إليهم بغضب، لأنّهم، في ما كنا نعتقد، كفّوا أن يكونوا ثواراً، وتخلّوا عن قضايا الأمة والوطن والشعب، واستناموا إلى المقاعد الوثيرة التي منحتها لهم السلطة في أحد الجوانب القصية من صالة المسرح. وكما يفعل الأبناء مع الأباء عادةً، اتخذنا منهم شواخص أولى لسخطنا. وكان سخطنا فواراً بمقدار حبنا لهم، وعنيفاً بقدر ما نظن أنّه خديعتنا فيهم. في ما بعد أيقنت أن تلك سنن الله في خلقه وفي كونه".




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية
حدث خطأ في هذه الأداة