الأحد، 17 سبتمبر، 2017

وسائل التواصل



 تنوعت وسائل الاتصال خلال السنوات الأخيرة، لكن رغم ذلك تدهور مستوى التواصل بين البشر لينحصر في أشكال منها الكتابة عبر تطبيقات التواصل، أو الاتصالات عبر الهواتف والمواقع الإلكترونية، ما جعل التواصل الفعلي نادراً. باتت إمكانية الاتصال بالأشخاص يسيرة، أيّا كان مكانهم، وفي أغلب الأوقات والظروف، لكن التواصل بات أقل حميمية مما كان عليه سابقاً. قبل نحو خمسة عشر عاماً لم أكن أمتلك هاتفاً محمولاً، إذ لم يكن منتشراً بالقدر الذي بات عليه اليوم. كنا نجري الاتصالات عبر الهاتف الأرضي، ورغم غلاء الخدمة وعدم جودتها في أحيان كثيرة، كنا نتواصل مع الأهل والأصدقاء وأرباب العمل، وحتى مع حبيباتنا. كان التواصل صعباً، لكنه كان قائماً. أذكر سعادتي بالاتصال بصديق أو قريب في بلد آخر، أو سماع صوت أحد أفراد العائلة عن بعد، فالاتصال بين البشر غريزة. في طفولتي كان عدد محدود من معارفي يمتلكون هاتفاً، ولم يعرف منزلنا الهاتف إلا لاحقاً، وقتها كان أفراد عائلتي يتواصلون عبر البريد. كانت مهمة شاقة تستلزم الكتابة والذهاب إلى مكتب البريد ودفع الرسوم، كما أن التواصل البريدي كان بطيئاً، وأحياناً لا تصل الرسائل أبداً. أذكر عندما كان والدي يؤدي فريضة الحج لأول مرة في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، أن جاء عمي إلى منزلنا بجهاز الكاسيت، وطلب منّا أن نسجّل بصوتنا رسائلنا إلى الوالد، قبل أن يرسل هذا الشريط المسجّل بريدياً. كانت طفرة كبيرة بالنسبة إلينا، فنحن لن نكتب، وإنما سيسمع الوالد صوتنا عبر شريط الكاسيت، وسنقول ما نشاء. رغم كل الصعوبات، كان الناس يتواصلون، وكان للبريد أهمية يومية كبيرة في حياة البشر، وعبره تنتقل الملايين من رسائل التحية والطمأنة والأشواق والغرام، والمعاملات والصراعات. بعض الرسائل البريدية كانت قطعاً أدبية خالصة، وبعضها تحوّل إلى كتب أو أجريت عليها دراسات، وبعضها الآخر دخل التاريخ وبات مكانه المتاحف، أو بيع في مزادات بمبالغ فلكية. قبل ظهور البريد، كان البشر يستعملون وسائل أخرى، بينها الحمام الزاجل، وقبله إرسال الرسائل مع قوافل التجارة، وكلها وسائل للتغلب على مشقة الانتقال من مكان إلى مكان. بمقارنة تلك الأمور التي بات أغلبها من التاريخ، مع الوضع القائم حالياً، فإن وسائل الاتصال باتت في متناول اليد، ولا تحتاج إلى جهد أو وقت، كما لا تكلّف الكثير من المال. لكن تطور وسائل الاتصال لم ينتج عنه تطور عملية التواصل التي ظهرت من أجلها. يمكنك أن تلحظ دون مجهود أن علاقات البشر انحصرت في رسالة يومية مقتضبة عبر تطبيق اتصال.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الاثنين، 11 سبتمبر، 2017

تفاصيل نظرية المؤامرة حول تفجيرات 11 سبتمبر




ظهرت الاعتقادات بوجود مؤامرة على الشعب الأمريكي من قبل صانعي القرار، وظهرت بعد ذلك عدة تقارير ساهمت في تعزيز نظرية المؤامرة، وهي كالتالي:
  • أقامت منظومة نوراد الدفاعية قبل سنتين من العملية الفعلية تدريبات وهمية لضرب برجي التجارة ومبنى البنتاغون.[5] وكانت هناك مناورات لاختبار عمل هذه المنظومة الدفاعية في نفس يوم وقوع الهجمات.
  • في سبتمبر 2000 وقبل استلام إدارة جورج دبليو بوش ظهر تقرير أعدته مجموعة فكرية تعمل في مشروع القرن الأمريكي الجديد، كان أبرز المساهمين بها هم ديك تشيني، دونالد رامسفيلد، جيب بوش، باول ولفووتز، سمي هذا التقرير إعادة بناء دفاعات أمريكا، ذكر به أن عملية التغيير المطلوبة ستكون بطيئة جدا بغياب أحداث كارثية جوهرية بحجم كارثة بيرل هاربر[6]
  • في 24 أكتوبر 2000 بدأ البنتاجون تدريبات ضخمة أطلق عليها اسم ماسكال. تضمنت تدريبات ومحاكاة لأصطدام طائرة بوينغ 757 بمبنى البنتاغون.
  • في 1 يونيو 2001 ظهرت تعليمات جديدة وبصورة فجائية من رئاسة الأركان العسكرية تمنع أي إدارة أو قوة جوية بالتدخل في حالات خطف الطائرات بدون تقديم طلب إلى وزير الدفاع والذي يبت بالقرار النهائي بخصوص الإجراء الذي يمكن أن يتم اتخاذه[7]
  • مع تكرار النفي الأمريكي ذكرت تقارير الاستخبارات الفرنسية أن أسامة بن لادن كان قد دخل إلى المستشفى الأمريكي في دبي في 4 يوليو 2001 أي قبل شهرين من أحداث 11 سبمتبر حيث زاره أحد عملاء وكالة استخبارات المركزية، والذي تم استدعائه بعد ذلك فورا إلى واشنطن[8]
  • في 24 يوليو 2001 قام رجل أعمال يهودي اسمه لاري سيلفرشتاين باستئجار برجي التجارة من مدينة نيويورك لمدة 99 سنة بضمن عقد قيمته 3.2 مليار دولار وتضمن عقد الإيجار بوليصة تأمين بقيمة 3.5 مليار دولار تدفع له في حالة حصول أي هجمة إرهابية على البرجين. وقد تقدم بطلب المبلغ مضاعفا باعتبار أن هجوم كل طائرة هو هجمة منفصلة. واستمر سيلفرشتاين بدفع الإيجار بعد الهجمات وضمن بذلك حق تطوير الموقع وعمليات الإنشاءات التي ستتم مكان البرجين القديمين.[9]
  • في 6 سبتمبر 2001، تم سحب جميع كلاب اقتفاء أثر المتفجرات من البرجين وتم توقيف عمليات الحراسة المشددة على الرغم من التحذيرات الأمنية المتكررة من مخاطر أمنية[10]
  • في 6 سبتمبر 2001، قفز حجم بيع والتخلص من أسهم شركات الطيران الأمريكية بحجم بلغ أربعة أضعاف حجم البيع والتخلص الطبيعي لهذه الأسهم. وفي 7 سبتمبر قفز حجم بيع والتخلص من أسهم بوينغ الأمريكية إلى حجم بلغ خمسة أضعاف حجم البيع والتخلص الطبيعي لهذه الأسهم. وفي 8 سبتمبر قفز حجم بيع والتخلص من أسهم شركة أميريكان أيرلاينز إلى حجم بلغ 11 ضعف حجم البيع والتخلص الطبيعي لهذه الأسهم. وحركة البيع والشراء اللاحقة بعد الأحداث وفرت أرباح وصلت إلى 1.7 مليار دولار أمريكي[11]
  • يوم 10 سبتمبر 2001، قام العديد من المسؤولين في مبنى البنتاغون بإلغاء رحلات طيرانهم ليوم 11 سبتمبر بصورة مفاجئة.
  • يوم 10 سبتمبر وصل إلى ويلي براون محافظ سان فرانسيسكو اتصال هاتفي ينصحه بعدم الطيران إلى نيويورك لحضور اجتماع كان مقررا عقده في 11 سبتمبر، ولم يغادر بناء على تلك النصيحة. وإتضح فيما بعد أن المكالمة صدرت من مكتب كونداليزا رايس.
  • ظهرت تقارير عن رؤية أسامة بن لادن ليلة 11 سبتمبر في باكستان في مستشفى عسكري باكستاني حيث تم إخلاء جميع العاملين من قسم المجاري البولية واستبدالهم بعاملين من الجيش بحسب إحدى الموظفات بها.[12]
  • في 10 سبتمبر تم تحريك معظم المقاتلات الأمريكية إلى كندا وألاسكا في مناورة تدريبية سميت الشر الشمالي لمحاربة هجوم أسطول طيران روسي وهمي، وفي 11 سبتمبر تم بث صور طائرات مقاتلة وهمية على شاشات الرادارات العسكرية مما أربك الدفاعات الجوية في منظومة نوراد ذلك اليوم. ولم يبقى فيالولايات المتحدة الأمريكية بكاملها سوى 14 مقاتلة للحماية، وفي 11 سبتمبر تم إرسال 3 طائرات إف16 هم ما تبقوا بجانب البنتاغون إلى مهمة تدريبية في شمال كارولينا.  [بحاجة لمصدر]
  • الرواية الرسمية: طائرة البوينغ 757 في رحلتها رقم 77 والتي ضربت البنتاغون (حسب الرواية الرسمية) استدارت 330 درجة في الهواء بسرعة 530 ميل في الساعة وانخفضت بنفس الوقت 7000 قدم حيث تم ذلك خلال دقيقتين ونصف لتتمكن من التحطم داخل البنتاغون.
رأي الخبراء: يستحيل على طائرة بوينغ 757 القيام بتلك المناورة، وإذا ما تمت تلك المحاولة ستصاب الطائرة بحالة تسمى STALL،و هذا يعني انعدام استجابة الطائرة الإيروديناميكية، أي فقدان السيطرة بشكل كامل على حركة الطائرة.
  • في نوفمبر 2002 سقطت طائرة وذلك بسبب اصطدامها بعامود إضاءة قبل وصولها إلى المطار لتنقل الرئيس الأمركي السابق جورج بوش الأب إلى الإكوادور، حيث تمزق المحرك وتناثر، بينما حسب الروابة الرسمية تمكنت رحلة 77 من الاصطدام وقلع 5 أعمدة إنارة من الأرض دون أن تصاب الأجنحة أو المحركات بأي ضرر.
  • لم يظهر على العشب الأخضر أمام مبنى البنتاغون أي علامات اصطدام أو تزحلق للطائرة.
  • لم يظهر أي جزء كبير كذيل أو أجزاء جناح من الطائرة التي صدمت مبنى البنتاغون. الرواية الرسمية تقول أن حرارة الاحتراق بخرت الطائرة. وعلى الرغم من تبخر معدن الطائرة، تم التعرف على 184 شخص من أصل 189 شخص قتلوا، منهم 64 شخصا كانوا على متن الطائرة التي تبخرت بسبب الحرارة. مع مراعاة أن محركات الطائرة التي تبخرت تزن 12 طن ما مادة التيتانيوم ذات درجة الانصهار المرتفعة.
  • ظهرت ثلاث قطع صغيرة تم التعامل معها على أساس أنها من بقايا الطائرة. لم تتطابق هذه القطع مع أي مكون من مكونات البوينغ 757
  • قبل انهيار القسم المصلب في مبنى البنتاغون لم تظهر الصور المتسربة أي فتحات في الجدار عدا فتحة واحدة بالكاد تكون مساوية لحجم جسم الطائرة، ولم يظهر أي فتحات أخرى لاختراق الأجنحة أو المحركات الضخمة  [بحاجة لمصدر]
  • ظهرت رائحة مادة الكورودايت بصورة مميزة في مبنى البنتاغون وهو وقود للصواريخ والقذائف ولا يستعمل كوقود للطائرات.
  • لم يسقط البرجان الرئيسيان فقط بل وسقط برج التجارة رقم 7، والذي يحوي مقر السي أي آيه والخدمات السرية بعد عدة ساعات، بدون تفسير منطقي، واتضح أنه مملوك بالكامل للاري سيلفرشتاين الذي كان قد استأجر باقي الأبراج. وجميع البنايات المحيطة بالبرج السابع لم تتأثر. بل حتى لم يسقط زجاجها. التفسير الرسمي هو أن شظايا نارية وصلت إلى البرج وأدت إصابته بأضرار مدمرة واشتعال النار في داخله وبالتالي انهياره على شكل قد يخطئه البعض على أنه تفجير متحكم به. إذا صحت هذه النظرية يكون هذا البرج هو البرج الثالث في تاريخ البشرية يسقط بسبب الحريق، أول برجين سقطا هما برجي التجارة.
  • تم الكشف في برنامج بث على الهواء مباشرة عن ترتيبات لاري سيلفرشتاين لتفجير البرج 7 ذلك اليوم. الخبر الذي استغرق بثه 10 دقائق تعرض للتشويش خمس مرات. لاري سيلفرشتاين استلم 861 مليون دولار قيمة تأمين عن ذلك المبنى والذي كلف شراءه 386 مليون دولار، بربح صافي غير خاضع للضرائب يقارب 500 مليون دولار
  • تحدث الناجون عن انفجارات كانت تحدث داخل الأبراج إلا أن التحقيق الرسمي تجاهل ذلك.
  • استغرق سقوط البرج الجنوبي 10 ثوان وهي فترة الزمنية اللازمة للسقوط الحر من أعلى البرج بدون أي إعاقة أو مقاومة. أي أن الجزء العلوي كان يسقط في الفراغ وليس على باقي هيكل البرج الذي يقف أسفل منه.
  • تم تسجيل أصوت تفجيرات من البنايات المقابلة للأبراج.
  • وصل رجال الإطفاء إلى الطابق رقم 78 [13] واستطاعوا مكافحة النيران في ذلك الطابق مع أنه الطابق الذي أصابته الطائرة والذي يفترض أنه قد ذاب بسبب الحرارة. منعت السلطات الأمريكية صدور شريط صوتي يؤكد هذا الأمر إلى أن تم تسريبه إلى الصحافة.
  • وصف الكثير من رجال الإطفاء ما شاهدوه بأنه عملية تفجير للبرجين
  • تم الحصول على أدلة تشير إلى حدوث تفجيرات تحت الأرض أسفل البرجين لحظات قبل الانهيارات. هذه التفجيرات تم التقاطها من قبل مراصد جامعة كولومبيا.
  • اتهمت أمريكا بن لادن في الضلوع بالهجمات ولكن بن لادن علق على الحادثة فقال: انه يثني على فاعلي العملية - ولم يذكر أنه مسؤول عنها - بل قال أنه في ولاية إسلامية ولا يمكنه تنفيذ أي عمل إلا بإذن إمام الولاية.
  • أجواء الولايات المتحدة وأي دولة في العالم مغطاة بشبكة ترصد تحرك الطائرات ولم تتحرك أي طائرة من طائرات سلاح الجو الأمريكي في 28 قاعدة على مستوى أمريكا، ولماذا لم يبلغ أي كمبيوتر عن فقدان طائرة وتحولها من مسارها وأن أصلا هذه المنطقة لا تدخلها الطائرات.  [بحاجة لمصدر]
ولماذا لم تستطع منظمة civilian Air Traffic Control المسؤولة عن توجيه ورصد الطائرات المدنية اكتشاف الطائرات المفقودة.
  • كان هناك خمسة إسرائيليين يصورون البرجين من سطح شركتهم وهم يضحكون وقد اعتقلوا ولكن أطلق سراحهم بعد 72 ساعة.[14]
  • طالبت الولايات المتحدة الأمريكية بأسامة بن لادن من حكومة طالبان، لكن طالبان اشترطت على الولايات المتحدة أن تعطيها دليل على أنه الرأس المدبر لهذه العملية.
  • ظهر بن لادن في شريط فيديو أظهرته الحكومة الأمريكية وتحدث ونسب العملية له، ولكن الشخص المتحدث لم يكن بن لادن بل لم يكن حتى يشابهه، وفي التدقيق بالفيديو رأى مؤيدي نظرية المؤامرة بأنه يحمل خاتم من ذهب - وهذا ما تحرمه الشريعة الإسلامية - وظهر بن لادن يكتب بيده اليسرى مع أن كل الذين يعرفوه شاهدوه يكتب باليمنى.
وقد تم توثيق ذلك من قبل بعض المهتمين بالفيلم الأمريكي الوثائقي Loose Change والذي يوضح علاقة الحكومة الأمريكية بتفجيرات 11 سبتمبر بشكل مصور ومدعوم بالوثائق الرسمية والمقابلات الشخصية والتحليل العلمي.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 10 سبتمبر، 2017

خليك في بلدك


يعيش كثير من العرب حاليا مرحلة بائسة، حتى العدد المحدود من الدول العربية التي كانت تتباهى بالإستقرار لم تعد تملكه. يقتل الروهينغا المسلمون في ميانمار على يد الجيش في بلد تقوده حاصلة على جائزة نوبل للسلام، ولا تجد تظاهرة في بلد عربي لدعمهم، مقارنة بإندونيسيا وماليزيا، تتحدث عن الروهينغا فتجد من يستنكر عليك ذلك ويزعم أنك تتجاهل مأساة اليمن الذي يخضع لتدمير ممنهج زاده تفشي وباء الكوليرا مؤخرا بؤسا، وإن تحدثت عن اليمن تجد من يستنكر أيضا ويحيلك إلى ما يجري في سورية من كارثة متواصلة، وإن تحدثت عن سوريا أو ليبيا أو الصومال، تجد من يطالبك بالتركيز على فلسطين باعتبارها قضية العرب المركزية، وعادة ما ينتهي هذا الجدل العقيم بالجملة القبيحة: خليك في مشاكل بلدك. لا يملك عاقل أن يصنف أحوال العرب دون ذكر أوصاف من عينة محزنة، بائسة، أو على الأقل غائمة. لا توجد دولة عربية يعيش أهلها دون مشكلات متفاقمة، ربما يقال إن كل سكان العالم يعانون، وربما كان هذا حقا، لكن يبدوا أن المشكلات المعيشية للعرب تفوق غيرهم. كثير من المشكلات سببها المباشر طريقة تعامل العرب مع أمورهم، ومع جيرانهم ومحيطهم، وبالطبع مع حكامهم، كثير منا يعرف تفاصيل المشكلات، والبعض يدرك أسبابها أو الحلول المتاحة لها، لكن لا أحد يحرك ساكنا. عندما تفجرت ثورات الربيع العربي مطلع العام 2011، وهي التي تأخرت طويلا، ظن كثير من العرب أن الوقت قد حان لنفض غبار الانتظار وخرق جدار الصمت لتحصيل الحقوق الضائعة، أو حتى الوصول إلى مرحلة يتاح للمواطن فيها حرية الرأي ومسائلة المسؤول ومعرفة مصير ثروات بلاده. عشنا على مدار سنة أو أكثر قليلا، تلك الأحلام الجميلة، حتى أن البعض بدأ يعمل جديا على مشروعات ما بعد تحصيل الحقوق وحيازة الحريات، وعمل أخرون على أفكار تنموية لتطوير المجتمعات، فكريا وماديا، وظهرت الكثير من الأفكار القابلة للتحقق. لكن الأحلام سرعان ما تحولت إلى كوابيس لازالت ماثلة للعيان. استعادت أنظمة الفساد التي تغلغلت في كل مناحي الحياة لعقود قوتها، وبدأت بضراوة غير مسبوقة إفشال مساعي شباب العرب إلى إنهاء القمع والإستبداد، وجرى ذلك كله بدعم من أنظمة غربية تدعي الديمقراطية. يمكن القول إن أوضاع العرب الأن أسوأ مما كانت عليه قبل 2011، لكن العاقل لا يمكنه أن ينحي باللائمة على الثورات أو أحلام الشعوب، فالأمور قبل تفجر الربيع العربي لم تكن وردية، وإلا ما تفجر غضب الناس، والأمور بعده كان يمكن أن تكون أفضل كثيرا لو أتيحت الفرصة للتغيير الحقيقي.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 2 سبتمبر، 2017

عيد بثينة وأقرانها




 ينتظر الأطفال العيد لارتداء الملابس الجديدة والحصول على "العيدية" من الأهل والأقارب لإنفاقها على الألعاب والحلوى، أو توفيرها لشراء ما ينقصهم من مستلزمات، لكن عيد الطفلة اليمنية بثينة الريمي، وعشرات الآلاف من أقرانها، على العكس من ذلك. 

نجت بثينة قبل أيام من قصف غير مبرّر لطيران التحالف الذي تقوده السعودية، استهدف منزل عائلتها قرب جبل عطان، جنوب غرب العاصمة صنعاء. نجت الطفلة بحياتها، لكن لا يعرف كيف سيكون مستقبلها بلا عائلة في بلد فقير تمزقه الصراعات. 

صورة بثينة التي غزت مواقع التواصل الاجتماعي حولتها إلى أيقونة جديدة تضاف إلى ألبوم يضم عشرات من أطفال العرب الذين باتوا أيقونات شاهدة على البؤس والدمار الذي جلبه الغباء والفساد والأطماع. 

للوهلة الأولى ذكّرتني صورة بثينة، بصورة شهيرة تم التقاطها في يونيو/حزيران 1972، للطفلة وقتها، كيم فان، ظهرت فيها الطفلة الفيتنامية تجري عارية تصرخ من شدة آلام احتراق جسدها بفعل النابالم الذي قصفت به القوات الفيتنامية الجنوبية الموالية للولايات المتحدة، قريتها التي احتلتها القوات الفيتنامية الشمالية. 

تحولت كيم فان حينها إلى أيقونة بسبب الصورة المأساوية، ورغم أن الرئيس الأميركي وقتها، ريتشارد نيكسون، شكك في صحة الصورة، إلا أنها ظلت دليلاً دامغاً على الوحشية الأميركية في فيتنام، وكانت أحد أسباب انتهاء تلك الحرب التي تكشف لاحقاً كثير من فظائعها. 

إن كنت تظن أن صورة بثينة المأساوية قد تحرك ضمير العالم، أو توقف الحرب المستعرة في اليمن، فأنت واهم، هل أوقفت صور الطفلين السوريين إيلان وعمران التي انتشرت حول العالم، نزيف الدم السوري، أو دفعت العالم لاتخاذ خطوة واحدة في هذا المسار؟ 

بات العالم مكاناً أكثر وحشية مما كان عليه في سبعينيات القرن الماضي، وزادت مشاعر البشر تبلداً، ولم يعد كثيرون يزعجهم حجم الدم المراق يومياً. 

لن ترتدي الصغيرة ابنة اليمن السعيد، ملابس العيد، ولن تطلب من والديها العيدية، ولن تمرح أو تلهو في حيها الحزين، ليس لأنها، ومثلها كثير من أقرانها، لا يريدون الفرح، أو أنهم مسؤولون عن تحويل احتفالات العيد إلى جنازات، ولكن لأن آخرين من الكبار يواصلون تغذية مسلسل العنف، ويواصلون الصراع على ثروات البلد الذي تشترك الحرب والكوليرا والفيضانات في تحويله إلى أحد أكثر بلدان العالم بؤساً. 

ستطاردنا صورة الطفلة اليمنية بثينة لأيام، أو ربما أسابيع، ثم ننساها مثلما نسينا قبلها الكثير من المآسي المشابهة، أو ننشغل بمأساة جديدة لطفل أو طفلة في بلد آخر من بلدان العرب الحزينة.

يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الخميس، 31 أغسطس، 2017

الجانب “الماجن” من حياة سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة




كشف موقع ذي إنترسيبت الأمريكي الإخباري النقاب عما وصفه بـ”الحياة الماجنة” المزدوجة التي يعيشها سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة.
يعتمد التقرير في الرواية التي يسردها على ثلاثة مصادر يعضد بعضها بعضا. هناك أولاً رسائل البريد الإلكتروني المسربة من صندوق بريد العتيبة المقرصن، وهناك المقابلة التي أجراها موقع ذي إنترسيبت مع رومان باسكال، أحد الشخصيات المقربة من العتيبة والذي كان يشارك لسنوات فيما كان ينفق عليها العتيبة مئات الآلاف من الدولارات من حفلات المجون والعربدة – بما فيها من استجلاب للعاهرات وشرب للمسكرات وتعاط لغير ذلك من الموبقات. وهناك أخيرا سجلات المحكمة الأمريكية التي قضت بحبس المستشار القانوني للسفارة الإماراتية بايرون فوغان، والذي كان من أقرب مقربي العتيبة منذ أيام دراسته في جامعة جورج تاون في واشنطن، بعد أن أدين بالاختلاس من مؤسسة خيرية أسسها العتيبة ونصبه فيها مديرا.
يتحدث رومان باسكال في تصريحه للموقع عما كانت تقوم به من ممارسات مجموعة من الأصدقاء المقربين من العتيبة، والذين كان يطلق عليهم اسم “فريق ألفا”، ويقول إنه شعر بعد حين بأنه ما عاد يقوى على الاستمرار في ذلك النمط من العيش، سابحا في الخمور ومتنقلاً بين طاولات القمار وخدور العاهرات، ولعل الذي وخز ضميره كما يقول هو اكتشافه أن بعض العاهرات اللواتي كان يجلبهن له ولأصدقائه العتيبة، وخاصة في شقة داخل مدينة أبو ظبي، كن ضحايا الاستعباد الجنسي.
يصف باسكال أحد المشاهد قائلاً: “كانت النساء يؤتى بهن إلى الشقة وهن ملتفات بالكامل في عباءات، ثم يقال للرجال اختاروا من تريدون منهن، ومن تختارها تكون ملكا لك حتى اليوم التالي. وما إن تسدل الواحدة منهن العباءة عن جسدها حتى تظهر في ملابس الأندية الليلية”. في تلك الليلة اختار باسكال فتاة رومانية من بين سبع عرضن عليه وعلى رفاقه. ويبين باسكال أنه كان قد طار إلى الإمارات العربية المتحدة على نفقة صديقه يوسف العتيبة، الذي خصص له ولرفاقه شقته ليقيموا فيها. كان ذلك في شتاء 2003- 2004، وكان العتيبة حينها نجما صاعدا في الإمارات، ما زالت أمامه بضعة أعوام قبل أن يعين سفيرا لبلاده لدى الولايات المتحدة الأمريكية.
بدأت صداقة باسكال بالعتيبة قبل ذلك بقليل في واشنطن، حين التقى الرجلان في ملهى تتجرد فيه الراقصات من ملابسهن أمام الجمهور اسمه كاميلوت.
ولم يلبث باسكال طويلاً قبل أن أصبح عضوا أصيلا في فريق ألفا الذي كان العتيبة يتعهده بالإنفاق والإمتاع. كانت تلك هي التجربة الأولى من نوعها التي يكتشف فيها باسكال نمط العيش الرغيد الذي كان ينعم به العتيبة في بلاده، وكانت الحلقة الأولى من سلسلة امتدت على مدى أربعة أعوام لازم فيها العتيبة وهو يتردد على الملاهي والأندية الليلية في نيويورك ولوس أنجلوس ودبي وأبو ظبي.
ومع مرور الزمن اكتشف باسكال أن في الأمر أخطر من مجرد ممارسات جنسية مع عاهرات تجري بالتراضي بين الطرفين. والذي فتح عينيه على ذلك امرأة روسية، بادرت بعد أول لقاء له بها بإعطائه رقم هاتفها حتى يتصل بها مباشرة فيما لو أحب أن يلتقيها دون أن يدفع لها أجرا على ذلك. وفعلاً، التقيا عدة مرات بعد ذلك، وفي إحدى المرات فتحت المرأة له قلبها حول الجانب المظلم من عملها.
يقول باسكال: “فتحت الباب، فهرولت إلى داخل غرفتي، وألقت بنفسها في الزاوية وفرائصها ترتعد”. سألها باسكال: “ماذا دهاك؟ ماذا تفعلين؟”، فأخبرته بأنها رأت للتو أحد الأشخاص ينهال بالضرب على صديقتها التي انتهى بها المطاف في المستشفى. ثم أخبرته بالتفصيل كيف آلت أمورها إلى ما هي عليه الآن، وأن أحد الأشخاص صادر جواز سفرها. وهذا ما جعل باسكال يستنتج أن هذه الفتاة، وربما كثيرات من الأخريات، إنما هن ضحايا الاستعباد الجنسي.
يرى محرر “ذي إنترسيبت” أن تورط العتيبة في مثل هذه الأمور يتناقض تماما مع الصورة التي سعى على مدى عقد من الزمن في رسمها لشخصه كدبلوماسي خليجي مستنير، يدافع عن حقوق المرأة ويطالب بالعلمانية ويتبنى الحداثة. وستشكل رواية باسكال صدمة لمن اطلعوا على الرسالة التي وجهها العتيبة في يوم المرأة العالمي هذا العام إلى ابنته يؤكد فيها على تكريم المرأة. إلا أن صورة الشخصية العامة الموقرة، حسبما جاء في التقرير، ما كانت لتتم لولا الإنفاق السخي الذي كان يمارسه العتيبة للترويج للإمارات في أمريكا، ممولاً – كما لو كان يغرف من بئر بلا قرار – كافة أنواع النشاطات من حفلات الاستقبال إلى حفلات أعياد الميلاد إلى الولائم إلى افتتاح أجنحة في المستشفيات إلى رحلات البذخ التي كان ينظمها لمختلف الشخصيات إلى دبي أو إلى أبو ظبي.
يذكر أن يوسف العتيبة، وهو ابن أول وزير نفط في الإمارات مانع سعيد العتيبة، كان بعد أن أنهى دراسته في الكلية الأمريكية في القاهرة قد توجه بتشجيع من سفير أمريكا في مصر حينذاك فرانك ويزنر للدراسة في جامعة جورج تاون. ولكن يقول محرر ذي إنترسيبت، وبناء على تصريح حصل عليه من إدارة الجامعة، فإن العتيبة لم يكمل دراسته الجامعية في جورج تاون، بل تحول إلى الجامعة الوطنية للدفاع في واشنطن بعد حصوله على منحة للدراسة فيها. ومع ذلك، كانت جورج تاون محطة مهمة في حياة العتيبة وحياة رفيق دربه منذ سنته الأولى فيها بايرون فوغان.
كان أول تعارف لباسكال على فوغان قد جرى في عام 2003 حين قدمهما العتيبة إلى بعض أثناء وجودهم جميعا في ملهى تعري تتجرد فيها الراقصات من ملابسهن. وما لبثت العلاقات أن توطدت بين باسكال وفوغان حتى باتا يشكلان النواة الصلبة لفريق ألفا الذي شكله العتيبة من مجموعة من رفاق دربه.
في العام الماضي، اعترف بايرون فوغان بارتكابه لجريمة تبييض أموال لما يزيد على مليون دولار من مؤسسة غير ربحية أقامها العتيبة. ويبدو أن إدانته، حسبما يقول كاتب تقرير “ذي إنترسيبت”، قد أعادت له اتزانه، وحفزته على انتهاج سبيل مختلف في حياته، كانت أولى خطواته الاعتراف للمحققين بأن جرائمه كانت بوسوسة من شياطين كانت تسكن فيه لم يشعر بوجودها سواه.
وكان تقرير الإدانة الصادر عن المحكمة قد قال بحقه: “ما لم يكن يعرفه أصدقاؤه ومعارفه هو أن إدمانه على الخمور هو الذي دفعه إلى السرقة والاختلاس”. إلا أن ما أدلى به باسكال وما تسرب من رسائل البريد الخاصة بالعتيبة يلقي بالشك على هذا الاستنتاج، ويشير إلى أن صحبه كانوا على معرفة جيدة بمشاكله بل وحاولوا التستر عليه، وبشكل خاص العتيبة الذي بذل جهودا، بعضها بصفة شخصية وبعضها بصفة رسمية عبر السفارة في واشنطن، لإقناع وزارة الخارجية بالضغط على وزارة العدل الأمريكية لتخفيف التهم الموجهة إلى صديقه وإعفائه من عقوبة السجن، ولكن دون طائل.
يقول باسكال إنه عندما سمع بخير إدانة فوغان ضحك، لأنه كان يفترض بعد سنوات من تركه للمجموعة بأنهم لربما “غيروا من سلوكهم ولم يستمروا في تعاطي مثل هذه الأشياء”.
وللقصة تفاصيل كثيرة يخصص لها موقع “ذي إنترسيبت” حيزا كبيرة في هذا التقرير الذي يتجاوز ستة آلاف كلمة، ويبدأ منذ عام 2000 عندما كان العتيبة مدير الشؤون الدولية لدى ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان، والذي ارتبط به بعلاقة حميمية ما زالت مستمرة حتى الآن منذ ذلك الوقت، وهي التي يستمد منها العتيبة المال والنفوذ.
وبينما كان نجم العتيبة في صعود، فقد واجهت الإمارات العربية المتحدة أزمة دبلوماسية كبيرة حينما حاولت مؤسسة مملوكة للدولة اسمها “موانئ دبي العالمية” شراء موانئ أمريكية في عام 2006. كان الكونغرس الأمريكي ووسائل الإعلام في الولايات المتحدة تجتاحها حالة من هوس الإسلاموفوبيا، ما نجم عنها إبطال الصفقة. وبناء على ذلك فقد قرر محمد بن زايد أنه بحاجة لأن يبتعث العتيبة، موضع ثقته، إلى واشنطن لكي يقوم بترميم سمعة الإمارات وتحسين صورتها.
لم يكتف العتيبة بذلك، بل استخدم ما اجتمع لديه من نفوذ في واشنطن للتأثير على السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وتوجيهها بشكل حاد ضد إيران وضد الإخوان المسلمين وضد تيار الإسلام السياسي بشكل عام، وفي نفس الوقت عمل على ضبط علاقة الولايات المتحدة بالسعودية وتصعيد أشخاص معينين من أفراد العائلة الملكية الحاكمة فيها ممن يتوسم فيهم خدمة مصالح الإمارات بشكل أفضل.
واليوم، وبينما يخالط العتيبة المتنفذين من صناع القرار ومن الإعلاميين الأمريكيين، تساند الإمارات زعيم متمردين يثير الفوضى في ليبيا (حفتر)، وتمول فرق الموت وتدير مقرات الاعتقال والتعذيب في اليمن، وتشارك في الحصار المفروض على جارتها المنافسة لها، قطر. وما إن وصل دونالد ترامب إلى السلطة حتى نجح العتيبة في إقامة روابط متينة مع زوج ابنته جاريد كوشنر.
في عام 2007، وبعد أن ساعد الرئيس جورج دبليو بوش في كسب تأييد بلدان المنطقة في مشروعه لتعزيز القوات الأمريكية في الحرب على العراق أراد العتيبة الاحتفال بما حققه من نجاح. يروي باسكال أنه كان في أبو ظبي حين اتصل به يوسف وقال له: “اسمع، أظن أننا ربما تمكنا من قضاء عطلة نهاية أسبوع متميزة. لست متأكدا، يجب علي التأكد من أن ذلك موافق للشيخ محمد، ولكن لا أظن أن ثمة بأس في ذلك”. ويمضي بسكال في روايته قائلاً: “عند تلك النقطة، بدأنا جميعا بالاستعداد والتدريب كما لو كنا سندخل حلبة ملاكمة من الوزن الثقيل لأننا كنا نعرف أننا سنقضي نهاية أسبوع من الفسق والعربدة”.


يبدو أن الأمر كان موافقا للشيخ محمد بن زايد، بدليل أن العتيبة أرسل سلسلة من رسائل البريد الإلكتروني يشاطر من خلالها رفاقه التفكير بما يخططون لعمله، وكانت هذه السلسلة بعنوان “فيغاس بيبي”. يقول في إحدى رسائله: “إذا ما مشت الأمور حسب الخطة، فإن من المقرر أن فريقي (بايرون، كيف، جوان، رومان) وأنا معهم، سنصل في الخامس عشر، لا أعرف الوقت تحديدا حتى الآن، ولكننا سنقيم في الجناح العلوي (سكاي لوفت) في إم جي إم غراند. لست متأكدا مما إذا كانت الرهبة أو السعادة التامة هي ما أشعر به الآن. لكن أيها السادة، سوف تسود حالة من الفوضى العارمة”.
من المعروف أن الجناح العلوي (سكاي لوفت) من أكثر أجنحة الفنادق فخامة ورغدا في العالم. وعندما وصل العتيبة برفقته ورفقة صديق آخر، كما يروي باسكال، سارعت إدارة الفندق إلى نقلهم إلى مجموعة من الأجنحة الأكبر والأفخم حتى إن “فندق الفور سيزنز بدا مزبلة بالمقارنة”.
كان فوغان في حالة من الإثارة والانفعال ابتهاجا بالرحلة لدرجة أنه كتب إلى العتيبة يقول: “يا للهول. يمكن أن تكون هذه أعظم رحلة على الإطلاق”.
أما العتيبة فكتب لأصحابه يسألهم عن ما إذا كانت حصانته الدبلوماسية تحميه من تبعات ما كان سيمارسه في فيغاس، فبادر فوغان – الذي كان حينها لا يزال طالبا في كلية الحقوق – إلى تقديم بعض النصائح القانونية، حيث قال له: “ما دمنا سنحصل على إقرار بالرضى، لا أظن أننا سنواجه أي مشاكل قانونية.. سوف أعد بعض البطاقات حتى يوقع عليها الصغار”.
وأشار عليه فوغان إلى كتابة عقد مع الفتيات الصغيرات بالعمر، تكتب فيه الفتاة اسمها وتقر بأنها تبلغ من العمر فوق 18 عاما، وبذلك يكون كل شيء قانونيا.
بالإضافة إلى ذلك، تبادل العتيبة مع أفراد فريقه بعض النصائح حول خدمة تقدم عن طريق الإنترنيت تقترح على من يقيم علاقات غير شرعية أدلة براءة. رد فوغان على العتيبة يقول: “هذه الخدمة أشد خطورة علي من المخدرات أو القمار. شيء بديع. في بعض الأوقات لا تملك إلا أن تمارس الكذب”.
في واحدة من الرسائل ضمن نفس السلسلة، كتب العتيبة إلى أصدقائه يؤهلهم لما ينتظرهم من فسق وعربدة، قائلاً: “الأعضاء المبجلون في فريق ألفا. أود التأكيد بأنه قد أعطي الإذن الرسمي بالمضي قدما في عملية دامبو دروب (اسم لفيلم كوميدي أمريكي حربي يعود إلى عام 1995)، والتي ستجري وقائعها في فيغاس خلال عطلة نهاية الأسبوع، وسوف يبدأ نشر القوات حسب ما هو مقرر. أريد من كل واحد منكم بذل جهد لا يقل عن 100% طوال فترة العملية، وكل من يقبض عليه متلبسا بالكسل والترهل سوف يسرح من الخدمة بشكل غير مشرف وسيوضع اسمه في القائمة السوداء حتى لا يشارك في أي عملية أخرى في المستقبل، وخاصة في ذلك المسرح من العمليات. انطلقوا، انطلقوا، انطلقوا، انطلقوا، انطلقوا، انطلقوا، انطلقوا”.
استلم العتيبة مهامه كسفير لبلاده في واشنطن في عام 2008، وبينما كان في حالة صفاء وتدبر قبل أسابيع من تسليمه أوراق اعتماده بشكل رسمي إلى الرئيس جورج دبليو بوش، أرسل العتيبة إلى صديقه فوغان مجموعة من الرسائل التي كان قد تبادلها معه في عام 2004، وقال له: “أنا متأكد من أنني سوف أفتقد تلك الأيام”. فرد عليه فوغان قائلاً: “لدي شعور بأنك ستجد طريقة للتغلب على الحنين لأي شيء”. فرد العتيبة طالبا من صديقه شيئا واحدا: “امسحها”.
وما هي تلك الرسائل المتبادلة في عام 2004 والتي ربما تمنى العتيبة لو أنها لم تر النور؟ تكشف التسريبات، بحسب “ذي إنترسيبت”، أن من بينها رسائل تبادلها العتيبة مع “ترايسي”، والتي يبدو أنها كانت إحدى “القوادات”، اللواتي عملن مع العتيبة عبر الإنترنت لتوفير مرافقات من ذوات الأسعار المرتفعة. وكانت ترايسي قد تمكنت من سرقته من مدبرة عاهرات أخرى، كان قد جرى النقاش بشأنها بينها وبين العتيبة في رسائل البريد الإلكتروني.
تقول ترايسي في إحدى الرسائل: “عزيزي يوسف. شكرا، وأعتذر بإخلاص لك. لقد تلقينا 8 ملايين اتصال خلال الأسبوعين الأخيرين حيث إن “سنيب” فازت بجائزة خليلة هذا العام. كما أن اثنتين من فتياتي الأخريات، ظهرت صورهما على أغلفة أعداد خاصة من “كتاب الغيارات الداخلية” ومن مجلة “بلاي بوي”. أعتذر، في ما يأتي الصور الإضافية للبنات، مع أسمائهن. بإمكانك أيضا أن تختار “سنيب” بحسب ما أعتقد. وهاك بعض الصور الإضافية. آسفة، واستمر في المحاولة. ونحن الآن نسعى إلى نقل الموقع إلى شركة خدمات أخرى”.
قبل ذلك بأيام، في السادس والعشرين من مايو/ أيار 2004 كتبت ترايسي إلى العتيبة تقول: “شكرا على محادثتك معي اليوم. أعتذر لما واجهته من مشاكل مع كايتلين. وكما قلت لك، واجهت وضعا مشابها. البنات المتاحات على موقعي هن: “سنيب”. ولمعلوماتك، ظلت كايتلين تحكي وتحكي لاثنتين من فتياتي المقربات مني جدا عن جمالك ورشاقتك، حتى باتت هاتان الفتاتان في شوق شديد للعمل معك. هاتان قريبتان جدا مني. بإمكاني إرسالهما إليك في بلدك، أو أن تنتظر إلى أن تتواجد في الولايات المتحدة. كلاهما لديهما جوازات سفر”.
رد العتيبة بعد ذلك بأيام في 30 مايو/ أيار 2004 بقائمة من المرافقات اللواتي يفضلهن، واستفسر عن واحدة منهن، لأنه اعتقد بأن الصورة الترويجية لها كانت مؤرخة، وطلب في كل الأحوال من ترايسي معلومات حسابها البنكي حتى يباشر في العلاقة، وقال: “ابعثي لي بتفاصيل حسابك البنكي وسوف أحول الفلوس إلى حسابك”.
ردت عليه ترايسي قائلة: “يوسف، سعدت جدا بتلقي الاتصال منك، وأنا في غاية الغبطة أنني سأعمل معك في المستقبل. الاقتراح الأول الذي أتقدم به إليك هو باولا، نظرا لأنك تحب الفتيات ذوات الشعر البني. لا تنس قائمة تمنياتك. هاك معلومات الحساب البنكي”.
يقول محرر موقع “ذا إنترسيبت” إنه تمكن من التحقق من صحة رسائل البريد الإلكتروني بطرق متعددة. ففي عام 2008، اجتمع العتيبة واثنين من مستشاريه المقربين مع شخص رابع، طلب عدم الكشف عن هويته حتى لا يخسر فرصة العمل في المنطقة في المستقبل، وذلك للتباحث حول كيفية التعامل مع ما بدا أنها محاولة للابتزاز تتعلق برسائل البريد الإلكتروني نفسها. في مقابلة مع ذي إنترسيبت، قال هذا الشخص الرابع: “ظننته يريد الحديث عن السياحة وإذا به يتحدث بدلاً من ذلك عن العاهرات”. وكان هذا الشخص قد أطلع على حيثيات الابتزاز وأخبر عن رسائل البريد الإلكتروني، التي وُجدت فيها إشارة إلى حدوث هذا اللقاء، وفي نفس التاريخ الذي ذكره الشخص الرابع.
وفي حدث منفصل، يقول كاتب التقرير إنه حصل في عام 2015، بينما كان يكتب مقالاً عن حياة العتيبة، على البريد الإلكتروني التي تبادلها مع ترايسي، ولكنه في حينها لم يتمكن من التأكد من صدقيتها إلى أن سرب القراصنة نفس المجموعة من البريد الإلكتروني، وكان التطابق تاما. بالإضافة إلى ذلك، صرح رومان باسكال بأنه اطلع على البريد الإلكتروني في حينه بينما كانت ترسل لأن العتيبة كان يرسل منها نسخا لرفاقه ليطلعوا عليها ويدلوا بدلوهم فيها.
تظهر رسائل البريد الإلكتروني المسربة من حساب العتيبة أن سفير الإمارات تكفل بتكاليف حضور باسكال حفلات على الأقل في مناسبتين، في عام 2006 وفي عام 2007، وقد حجز له في كل مناسبة تذاكر سفر في درجة رجال الأعمال ليأتي من واشنطن إلى أبو ظبي. وتكشف الرسائل المتبادلة بينهما أنهما كانا يستمتعان بما يقومان به معا من مغامرات.
وتشير رسائل أخرى وجدت في علبة الوارد في حساب العتيبة إلى أن التفاعل والتعامل مع العاهرات والأشخاص المتورطين في هذا النوع من العمل كان أمرا روتينيا. فقد كتب باسكال رسالة في عام 2006 تحت اسم “جوب باخوس” يقول فيها: “لا أظن أننا بحاجة إلى كثير من التوظيف، وإلا، فاطلب من أحد أعضاء فريق ألفا أن يذهب إلى كاميلوت (نادي تعر) ويذكر اسمك ويرى كم شخصا سيوافقون على السفر إلى الخارج”. فما كان من العتيبة إلا أن مرر الرسالة إلى أعضاء الفريق.
وقد حصل موقع ذي إنترسيبت من باسكال على معلومات تؤكد صحة ما ورد في التسريبات بالإضافة إلى صور له ولأعضاء فريق ألفا وهم يشاركون في حفلات في الولايات المتحدة وفي أبو ظبي، ويبدو العتيبة في إحداها جالسا إلى طاولة وفي مواجهته امرأة يقول باسكال إنها عاهرة تتقاضى سعرا مرتفعا جيء بها جوا من أمريكا إلى أبو ظبي خصيصا لرحلة المتعة تلك. وفي صورة أخرى يظهر باسكال والعتيبة يجلسان بجانب نساء قال باسكال إنهن راقصات في نادي كاميلوت للتعري في واشنطن، أرسلن بالقطار إلى نيويورك ليصاحبن أعضاء الفريق في الحفلة. يقول محرر التقرير إنه عرض الصورة على مدير نادي كاميلوت، نيك تريانتيس، الذي أكد مباشرة أن النساء كن فعلاً راقصات في ناديه.
يرى محرر تقرير “ذي إنترسيبت” أن توصيف الأحداث الذي قدمه باسكال يعزز من صدقيته في إجراء قام به قبيل انسحابه من عضوية فريق ألفا وإنهائه للعلاقة به. وذلك أن هيلاري كلينتون، التي أصبحت فيما بعد وزيرة للخارجية، كانت قد قالت قبل تعيينها في المنصب إنها ستضع محاربة تهريب البشر على قائمة أولوياتها. وذلك ما تبنته فعلاً بعد أن تولت مهام منصبها.
يذكر الموقع بهذا الخصوص أن تهريب العمالة في الإمارات العربية المتحدة أكثر شيوعا من تهريب المومسات، ومع ذلك ورد في تقرير صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية ما يأتي: “بعض النساء، وبشكل رئيس من أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، والعراق وإيران والمغرب، تتعرضن للإكراه على ممارسة البغاء في الإمارات العربية المتحدة”.
تشير “ذي إنترسيبت” في تقريرها إلى أنه على الرغم من أن دولة الإمارات العربية المتحدة تطبق إجراءات صارمة بحق من يدانون بجرائم تتعلق بالممارسات الجنسية غير الشرعية، إلا أن هذه الإجراءات لا تطال علية القوم وأصحاب النفوذ في البلاد. ليس هذا فحسب، بل تواترت التقارير عن وجود قطاع خفي من تجارة الجنس في أبو ظبي ودبي، الأمر الذي أقر به العتيبة في محادثاته الخاصة بعيدا عن الأضواء.
في شهر فبراير (شباط) من عام 2008، بث برنامج “ستون دقيقة” في إحدى القنوات الأمريكية تقريرا عن دبي ورد فيه حديث عن قطاع تجارة الجنس وتهريب البشر لتغذية هذه التجارة. وفي اليوم التالي تلقى العتيبة رسالة إيميل من صديق له، حصلت “ذي إنترسيبت” على نسخة منها، يقول فيها: “كنت أنتظر أن أراك في برنامج “ستون دقيقة” الليلة الماضية. فما هو حجم مشكلة الدعارة عندكم؟”.
رد العتيبة عليه برسالة مازحا جاء فيها: “أقصد… لماذا كنت تنتظر رؤيتي في موضوع كهذا يا كلب”. ثم أضاف بنبرة أكثر جدية: “إنها مشكلة كبيرة، لكنها ليست صارخة… أقصد بذلك أنك لن تجد (المومسات) يتسكعن على نواصي الشوارع… ولكنها (ظاهرة) مستترة، داخل البيوت والشقق، وليست من النوع الذي تراه أمامك حيثما وليت وجهك. لكن من المؤكد أن الظاهرة في دبي صارخة أكثر مما هي عليه في أبو ظبي”.
وبالعودة إلى باسكال، فإنه ينقل عنه محرر التقرير في “ذي إنترسيبت”، أن المرأة الروسية التي أخبرته بأن جواز سفرها قد سرق منها كانت الأولى من ضمن عدة نساء صارحنه بما هن فيه من كرب، فبدأ يحكي لبعض أقرانه عما تنامى إلى علمه، فحذره بعضهم من مغبة السكوت عما يعلم خاصة بعد أن تبنت هيلاري كلينتون مشروع محاربة التهريب البشري وإكراه الفتيات على البغاء. فكتب مقالاً في مايو/ أيار 2009 دون فيه تجربته، وقال فيه: “بت ضائعا في الحياة. لقد انتحلت صفات المنعم علي، وصرت أتوق إلى مضاجعة عاهرات تكلف الواحدة منهن عشرة آلاف دولار في الليلة. كنا نقضي ما بين ست إلى ثماني ساعات في اليوم في أندية خاصة بالرجال في الولايات المتحدة وفي الخارج، وصارت تحدوني الرغبة في أن أكون داخل نوادي التعري ذلك الرجل الذي يشار إليه بالبنان مثلي في ذلك مثل الشخص الذي يدفع الفاتورة”.
بعد ذلك تواصل باسكال مع وزارة العدل ومع وسائل الإعلام المحلية، والتقى بوكيل النيابة الأمريكي روي أوستن في عام 2009. لم يكن هدف باسكال توجيه إصبع الاتهام حصريا إلى العتيبة وإنما كان يقصد التنبيه إلى المشكلة بشكل عام، وهذا ما أكده كثيرون ممن كان قد تحدث معهم بما في ذلك الصحفي بريان كارم، الذي تقصى الموضوع وصولاً إلى العتيبة نفسه بدليل أن صندوق الوارد في حسابه اشتمل على رسالة إيميل من كارم. أثارت رسالة كارم الذعر في أوصال سفارة الإمارات في واشنطن، فسارع العتيبة إلى الاتصال بصديق يثق به ليعالج الموضوع، وكان ذلك بايرون فوغان.
وفي معرض حديثه عن تجربته مع موقع ذي إنترسيبت يقول باسكال: “للوهلة الأولى تبدو الإمارات العربية المتحدة كما لو كانت دولة بمواصفات أوروبية أقيمت في الشرق الأوسط، إلا أن ثمة طبقة دونية داخل المجتمع العربي سواء في أبو ظبي أو في دبي ديدنها ممارسة الدعارة وتهريب البشر والنزوع إلى تصنيف الإنسان بناء على قيمته المالية.”
فيما تبقى من تقريره، يخوض موقع ذي إنترسيبت في تفاصيل فضيحة مؤسسة أويسيس (الواحة) التي كان تأسيسها أول إجراء رسمي يقوم به العتيبة بعد توليه منصب السفير في عام 2008، والتي نصب بايرون فوغان مديرا تنفيذيا لها وواحدا من ثلاثة أشخاص شكلوا مجلس إدارتها. ويشير التقرير إلى ما ورد في وثائق المحكمة، التي أدانت فوغان فيما بعد بالاختلاس، من تفاصيل تتعلق بممارسات مشبوهة ليس فقط في ما يتعلق بمؤسسة أويسيس ولكن أيضا بمختلف شؤون السفارة في واشنطن. ويستدل محرر التقرير بعدد من الشهادات لأشخاص كانوا على اطلاع بحيثيات القضية تفيد بأن العتيبة كان على علم تام بالمخالفات التي ترتكب بل وبأنه حاول التستر عليها ومارس ضغوطا شخصية ودبلوماسية على الجهات المعنية في الإدارة الأمريكية لإسقاط القضية أو تخفيف التهم الموجهة فيها إلى صديقه فوغان.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 25 أغسطس، 2017

عيد جديد حزين



 يحل عيد الأضحى بعد أسبوع، ورغم أن العيد مناسبة للفرح، خصوصاً عند الأطفال، إلا أن ملايين الأطفال العرب في حزن متواصل، بعضهم بات يتيماً، وبعضهم بلا مأوى، أو تعيش عائلته بلا مصدر دخل، وكثير منهم بات نازحاً أو لاجئاً. عيد أطفال فلسطين والصومال والعراق وسورية وليبيا واليمن وغيرها ليس كعيد الآخرين، واهتمام العالم بمعاناة هؤلاء الأطفال غائب، إلا من تصريحات أو كلمات عابرة لا تسمن ولا تغني من جوع. يتعامل البعض مع الأعياد باعتبارها مناسبة لدعم المحرومين، أو التصدّق عليهم، فتنشط مؤسسات وشخصيات في جمع الأموال أو الأغذية أو الملابس لتوزيعها على المحتاجين، لكن فعل ذلك في العيد وحده لا يكفي لسد الحاجات، دون أن نقلل من أهمية تعويضهم في المناسبات عن حرمان يمتد على مدار العام. والأولى من نشاط جمعيات الإغاثة وجمع التبرعات، رغم أهميتها، أن تنشط منظمات حقوق الإنسان لتوفر لهؤلاء حقوقهم، وتعيد إليهم عائلاتهم ومصادر دخلهم، وتعيدهم إلى منازلهم ومدارسهم. ويحل العيد مجدداً في ظل مأساة لجوء عربي يتوزع فيها الملايين على كثير من بلدان العالم، للسنة السابعة على التوالي، وقد فقد آلاف اللاجئين والنازحين حياتهم، جوعاً أو عطشاً أو غرقاً، خلال محاولتهم الهرب من صراعات داخلية، أو قصف جيوش خارجية، أو قمع حكام مستبدين. وفي حين ينفق بعض أثرياء العرب ملايينهم ببذخ على الملذات والمتع في دول أوروبية، تاركين بلدانهم غارقة في الفقر والجهل والفساد، فإن معظم المواطنين العرب لا يملكون من متاع الدنيا شيئاً، بل يموتون خلال محاولات حثيثة للوصول إلى حدود تلك الدول نفسها، في مفارقة لا تخلو من الدلالة. ويتزامن عيد الأضحى مع شعيرة الحج، وللحج شرط هو الاستطاعة، وبينما كل العلماء يفسرون الاستطاعة بأنها تلازم القدرة البدنية مع المالية، إلا أن كثيرين يتجاهلون الاستطاعة البدنية، بينما يفترض في الحاج القدرة على أداء الشعائر، وبعضها مرهق. كثير من حجاج العرب لا تتوفر فيهم الاستطاعة البدنية، وكل عام يموت المئات أثناء الحج بسبب عدم الانصياع للأمر الإلهي، لكن الأكثر عجباً أن كثيرين يرون وفاة الحجاج نعمة بزعم أن هؤلاء ماتوا في "أيام مفترجة" أو في "أرض مقدسة". كما أن الاستطاعة المالية يتعامل معها البعض بلا وعي، فتكرار الحج لتوفر المال هو نوع من الإسراف المنهي عنه في الإسلام، والتبرع بالمال للفقراء والمحتاجين أولى من تكرار الحج حسب إجماع العلماء، والبعض يتجاهل أن منح المال لآخرين لا يملكونه، ولو حتى لأداء الفريضة، أفضل من تكرار الحج.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 18 أغسطس، 2017

تهمة العداء للنساء




فور أن ينطق رجل بما يخالف الداعيات إلى تحصيل حقوق المرأة، يتهم بأنه معادٍ للنساء، أو راغب في بقاء الأوضاع الذكورية الظالمة، حتى لو كان في ما يقوله شيء من حق أو منطق، وحتى لو كان بين النساء من يتفق معه. لنتّفق أولاً أن تحصيل حقوق النساء ليس مفيداً لهن فقط، وإنما تترتب عليه فائدة المجتمع العربي كله، وفي المقابل، فإن تغييب الأنظمة الحاكمة لحقوق المرأة لا يبرر الاتهامات النسوية الرائجة، والتي أرى أنها باتت تشمل الابتزاز، فالأصل أن كثيراً من حقوقنا جميعاً ضائعة، رجالاً ونساء. مؤخراً، أقرّ الأردن قانوناً يمنع إفلات المغتصب من العقاب في حال اتفق مع ضحيته، أو أسرتها، على الزواج منها، وقبل يومين أقرّ البرلمان اللبناني نفس المنطق، وقبلهما أقرّ المغرب نفس الأمر، لكن تلك التشريعات لم تتعرّض لواقع رفض المغتصبة تقديم شكوى خشية من نظرة المجتمع، وكذلك إجبار الأسرة للمغتصبة على الزواج من مغتصبها لإخفاء الفضيحة، وهو ما ينسف الهدف من القوانين. في تونس، اقترح الرئيس السبسي قبل أيام، مساواة النساء بالرجال في الميراث، وإمكانية زواج المسلمة من غير المسلم، وتحوّل الأمر إلى جدال شائك، وفي رأيي أن الجدال كان الهدف من المقترح بالأساس. لاحقاً بات من يرفض المقترحين متهماً بمعاداة حقوق النساء، فضلاً عن الرجعية والتخلّف، ثم انتقلنا إلى رفض تدخل غير التونسيين في شأن داخلي؛ بما يخالف كل نظريات حرية الرأي، خصوصاً في قضية ذات أبعاد دينية، وعلى الرغم من أن الأمر ما زال مقترحاً يمكن رفضه. يعلم أي مسلم يمتلك قدراً من الثقافة الدينية أن هناك حالات ميراث نصيب المرأة فيها أكبر من الرجال، وكل المسلمين يقرّون أن زواج المسلمة من غير المسلم محرم بنصوص دينية، قد يتجاوزها الزواج المدني. لكن كل ذلك يعتبر رجعية بالنسبة لبعض الناشطات النسويات اللاتي يتعامل بعضهن مع مقترح السبسي باعتباره قانوناً. لم تفترض إحداهن رفض المقترح في حال طرحه على استفتاء شعبي، أو أن يعارضه البرلمان، ولا أعرف ماذا يمكن أن يفعل دعاة حقوق المرأة بنساء عربيات رافضات مساواتهن بالرجال. إن قلت للناشطات النسويات إنه كان متوقعاً قبل إلهاء الناس بتلك القضايا الخلافية، أن يقضي السبسي على البطالة المتفشية، أو يستعيد حقوق المظلومين، أو يعمل على تطوير البنية التحتية في الريف، يعتبرونك ضدهن، وإن قلت إن المقترح سياسي وليس حقوقياً، أو أنه جزء من دعاية انتخابية، ويستغل حقوق النساء للتعمية على الفشل الحكومي، فأنت عندها ضد السبسي وضد المرأة معاً. في المحصلة يبقى إرضاء المرأة العربية بعيد المنال.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية
حدث خطأ في هذه الأداة