الجمعة، 20 أبريل 2018

وزن زائد


 بدأتُ قبل أكثر من شهر مضى، خطة جادة للتخلص من الوزن الزائد. توقفت عن تناول الطعام بعد التاسعة مساء، وامتنعت عن استهلاك السكر، كما امتنعت عن تناول الخبز. وألقيت كل ما كان لدي من المقبلات و"المخللات" في القمامة، وصرت أواظب على المشي أو الجري ساعة يومياً على الأقل، وساعتين على الأقل في العطلات الأسبوعية. عندما بدأت كان وزني يتجاوز المعدلات الطبيعية بتسعة كيلوغرامات كاملة، والآن فقدت خمسة منها، ولا يزال يتوجّب عليّ التخلص من خمسة كيلوغرامات أخرى. لكنها أصعب من سابقتها. بعد فقدان هذا الوزن الزائد بدأت أتلقى تشجيعاً من أغلب الزملاء، وتشجع عدد منهم للتخلص من وزنه الزائد أيضاً. أغلب الزملاء يعانون من المشكلة التي يمكن اعتبارها ظاهرة في كثير من أماكن العمل، وخصوصاً في مهنتنا التي تساعد على زيادة الوزن، إما بسبب الأوقات الطويلة التي نقضيها جلوساً، للكتابة والقراءة ومتابعة الأحداث، أو ما يمكن أن تسميه عدم وجود مواعيد ثابتة للعمل، حتى وإن كانت هناك مواعيد رسمية، وبالتالي تتأثر مواعيد تناول الطعام وممارسة الرياضة. نحن نعمل على مدار الساعة، حتى خلال ممارسة الرياضة، أو عند الذهاب إلى دور السينما، أو مشاهدة مباريات كرة القدم. تدور أغلب تفاصيل حياتنا حول العمل، ونربط كل ما نمارسه به، وأحياناً ما تتحوّل مهمة تسوّق إلى موضوع للكتابة، أو تمنح فكرة ما ضمن موضوع، وعادة ما ننتبه خلال نشاط نقوم به إلى ارتباطه بموضوع أو فكرة خاصة بالعمل. لا توفّر أغلب أماكن العمل، لأسباب اقتصادية في العادة، للعاملين مساحات لممارسة أي نوع من الرياضة، وبالتالي يتحوّل العمل إلى أحد أسباب السمنة، فضلاً عن أمراض العمل الأخرى المعروفة. وتؤكد كثير من الدراسات في مجالات الصحة واللياقة البدنية وجودة العمل، أن توفير صالة رياضية صغيرة في مكان العمل يمكن أن يزيد من إنتاجية العاملين، ويحافظ أيضاً على صحتهم البدنية والعقلية، بما يوفر لمكان العمل الكثير. شاهد كثيرون لقطات فيديو عدة تظهر موظفين يمارسون الرقص الجماعي قبل بدء العمل، أو خلال فترة الراحة بين ساعات العمل الطويلة، لكن أحداً من هؤلاء يدرك أنه لن يمكنه الرقص في مكان عمله لأسباب أغلبها يتعلق بالتقاليد العربية الرائجة. دعك من الرقص. تعال نتحدث عن إقرار دقائق يومياً لممارسة أي رياضة خلال ساعات العمل، ربما تكون تلك الدقائق كفيلة بتجديد النشاط وتصفية الذهن بما يسمح باستكمال مهام العمل على الوجه الأكمل.

طرحت الفكرة على زملاء، فأقروا بأهميتها، ثم تقمص أحدهم دور المدير، ورفض تطبيقها قطعيا.





يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 13 أبريل 2018

خايف للغربة تحلالك

جمعتني، قبل أيام، جلسة امتدت لساعات مع أشخاص ينتمون إلى جنسيات عربية مختلفة، كما تتباين المهن التي يمارسونها، وتتفاوت أعمارهم ومستوياتهم التعليمية والثقافية. كنا نتحاور حول موضوع واحد هو "الغربة".
أغلب الحضور كانوا مغتربين عن أوطانهم لأسباب اقتصادية، لكن الحوار كان مليئا بالتباينات.
بدأت صديقتنا اللبنانية الحوار بتأكيد عدم رغبتها في العودة إلى بلادها، وأنها تشعر أن حياة الغربة أكثر راحة من العيش في الوطن، فوافقها صديق مصري قائلاً إنه لا يفكر في العودة لأنه يرفض العيش في كنف نظام يحكم بلاده بالحديد والنار.
كان صديقنا الليبي متحفزاً لطرح وجهة نظره. قال إنه لم يكن يخطر بباله يوماً أن يغادر بلاده، أو أن لا يتمكن من العودة إليها مجدداً، لكن الأوضاع التي آلت إليها البلاد تدفعه إلى ذلك، مضيفاً أنه يصعب عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الإطاحة بالعقيد القذافي.
انبرى رفيقنا المغربي متهماً إياه بالحنين إلى عهد القذافي، وأفاض في سرد الكوارث التي فعلها العقيد طيلة عقود قبل قتله على أيدي الثوار.
فضّل صديقنا الليبي الصمت، فحاولت صديقة سورية انتشاله من تهمة الحنين إلى عهد بائد، مؤكدة أنه لا يمكن بعد كل ما جرى في بلدان الربيع العربي أن نستنكر بعضاً من الحنين إلى هدوء العهود السابقة، وإن كان الفساد مستشريا فيها، وضربت مثالاً ببلدها الذي بات شبه مدمر بالكامل، والذي يحلم كل شخص يحمل جنسيته لو عادت الأمور إلى ما قبل 2011، رغم كل ما كان قائماً من ظلم وقمع وفساد.
كان رفيقنا الفلسطيني يراقب من دون تدخل، فوجهت إليه سؤالاً مباشراً حول رغبته في العودة إلى فلسطين. تجهّم الشاب الذي لا يكف عادة عن الضحك والسخرية، وقال إن القرية التي تم تهجير جده منها بعد النكبة لم تعد موجودة على الخريطة، وبالتالي فإنه لا يملك مسقط رأس يعود إليه.
سيطر الوجوم على المجموعة لفترة، قبل أن تقطعه صديقتنا السورية قائلة: إذا ما عدت وعاد غيرك، فعندها يمكن إعادة القرية إلى الخريطة مجدداً، فاحتد الشاب قائلاً: هذا يستلزم إنهاء الاحتلال أولاً، وكيف ينتهي الاحتلال بينما الفصائل الفلسطينية تتصارع معاً على تفاهات بدلاً من الاتفاق على أسلوب موحد للمقاومة.
تدخّل صديق يمني مؤكداً أنه سيعود في حال أتيحت له الظروف، وأنه لن يسمح للغربة التي فرضت عليه أن تستمر إلى الأبد.
ساد صمت بارد قطعه تسلل صوت محمد عبد الوهاب في مقطع "خايف للغربة تحلالك. والبعد يغير أحوالك. خليني دايما على بالك. يا مسافر وحدك وفايتني".

نظر بعضنا إلى بعض للحظات، قبل أن يبدأ أغلبنا ترديد الأغنية.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 6 أبريل 2018

محاولة هروب فاشلة



يواصل صديقي، منذ نحو سنة، مساعيه الجادة، الفاشلة حتى الآن، للهرب من ما يصفه بأنه "الجحيم المستعر في الشرق الأوسط"، والذي يقول إنه يترك في نفسه آثاراً شديدة الخطورة، حتى إنها بدأت مؤخراً تؤثر على جسده الذي لم يعد يتحمل متابعة الأخبار اليومية، ما اضطره إلى عدم متابعة وسائل الإعلام نهائياً.
غادر صديقي مصر، قبل سنوات، يقول إنه قرر، مثل كثيرين، المغادرة، بعد أن تم وأد حلمهم في التحرر من الديكتاتورية والفساد والقمع، واستعادة بلدهم الذي يرعى مصالح مواطنيه ويحفظ لهم حقوقهم، ليكتشفوا أنهم خرجوا من قبضة عصابة مستبدة ليسقطوا في قبضة عصابة أخرى مماثلة، كل ما يهمها هو حماية مصالحها، بغض النظر عن مصالح الوطن أو المواطن.
قابلني قبل أيام مصادفة، فاستعدنا حواراتنا السابقة حول الهجرة. كانت لديه رؤية جديدة، قال لي إن البقاء في الشرق الأوسط بعد مغادرة مصر لم يمنحه القدر الكافي من السلام النفسي حسبما كان يعتقد سابقاً، وأن الأزمة في مصر جزء من أزمة الإقليم الذي لا يتوقع أحد أن يستقر قريباً، بل ربما تتصاعد مشكلاته أكثر مما هي عليه الآن.
وأكد أنه قرر المغادرة مجدداً بعد محاولات متعددة ومتباينة للتكيف، أو بالأحرى التصالح مع الواقع، وكان قراره الجديد هو الابتعاد، قدر المستطاع، عن منطقة الشرق الأوسط. كان يحاول الهجرة إلى كندا في أقصى الشمال الغربي، أو إلى أستراليا في أقصى الجنوب الشرقي.
لكن عملية الهروب التي كان يتوقعها يسيرة، لم تسر كما تخيل بسبب كثير من المعوقات، حتى وصل مؤخراً إلى قناعة مفادها أنه من المنحوسين المكتوب عليهم أن يعيشوا بقية حياتهم وسط هذا الصراع المحتدم، مشيراً إليّ باعتباري أيضا من هؤلاء الأشخاص المنكوبين.
حاولت أن أجادله في منطق الهرب أو مآلاته، لكني وجدتني متفهماً لما يقوله، ربما لأنني كنت متعاطفاً معه، وربما لأنني فكرت مثله في الهرب بعيداً عن الشرق الأوسط، وإن لم أتخذ قراراً جدياً بالسعي إلى ذلك.
عاجلني قائلاً: قررت أن أترك مهنتي التي قضيت فيها نحو ربع قرن من عمري لأختبر مجال عمل جديد، وأتمنى أن أنجح في هذه المحاولة للهروب.
لم أستوعب فكرة الهرب من الواقع بتغيير المهنة، لكني أصبحت أشفق عليه أكثر، فقد وصل إلى مرحلة من القنوط لم يعد يملك أمامها إلا استحداث أشكال تغيير تخالف المنطق.

شجّعته على فعل ما يراه مناسباً، أو بالأحرى متاحاً، للخروج من الأزمة التي يحاول الفكاك منها، فقال لي إنه بات يعتقد أن الهرب ليس حلاً، وأنه لا مناص من المواجهة. قالها بترددِ مَن لم يتخل كلياً عن خطط الهجرة إلى أقصى الشمال أو أقصى الجنوب.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 30 مارس 2018

كوميديا انتخابية مصرية




أطلقت زميلتنا السوريّة اسم "جولان" على ابنها، تيمّناً بالهضبة التي احتل العدو الصهيوني أغلب مساحتها بعد حرب 1967، بالتزامن مع احتلال شبه جزيرة سيناء المصرية.
يوم انطلاق ما يقال إنه "الانتخابات الرئاسية" في مصر، كان جولان بصحبة أمه في مكتبنا، وكان محط أنظار الزملاء، وخصوصا الزميلات.
بدأت الزميلة ملاطفة رضيعها قائلة "سيسي"، فضحك الطفل الذي لم يتجاوز بضعة أشهر من عمره، وكلما كررت أمه اللفظ نفسه، كرر الضحك، لتؤكد لنا أن هذه أحد ألعابهما اليومية المحببة.
لا يدرك "جولان" لصغر سنه، أن هذا اللفظ الذي تداعبه به أمه هو اسم الرئيس المصري، وهو لا يعرف بالطبع أن هذا اليوم يوافق أول أيام التصويت على تمديد فترة حكم السيسي لمصر، وسيعرف حين يكبر أن الديكتاتور الدموي صاحب الاسم الذي أضحكه صغيراً يثير الضحك حول العالم كلما تحدث، على الرغم من كل ما تضمه أحاديثه من كوميديا سوداء.
في الأيام التالية، وربما حتى اليوم، تحولت وقائع الانتخابات المصرية إلى وسيلة البهجة الأكثر انتشاراً بين الزملاء من كل الجنسيات، هؤلاء يستعرضون صوراً لمصوتين صادفوها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهؤلاء يشاهدون لقطات فيديو متداولة عن الانتخابات، أو يتابعون حديث إعلامي أو فنان أو رياضي مصري عن الانتخابات، وكلها تنتهي بوصلات من الضحك، وإطلاق "قفشات" و"نكات".
تعتبر الانتخابات ممارسة سياسية جادة. لكنها في مصر باتت مصدراً للكوميديا منذ تم إقرارها كبديل للاستفتاء على بقاء الرئيس في منصبه في 2005، وزادت الكوميديا بعد ثورة يناير 2011، وكأن تلك الكوميديا المصاحبة للانتخابات مقصودة للتسفيه من قيمتها، خصوصاً أن هؤلاء الذين نظموا كل الانتخابات التي عرفتها مصر، لا يؤمنون بالديمقراطية أو تداول السلطة، كما يحرصون على الإجهاز على أبسط مبادئ النزاهة والشفافية.
هذا العام، لم تكن فيديوهات وصور الرقص أمام مراكز التصويت هي الظاهرة الأبرز، كما كان الأمر سابقاً، بل تفوقت عليها مشاهد كبار السن والمقعدين الذين احتفت القنوات المحلية بمشاركتهم في التصويت بمقاعدهم المتحركة، والذين تظهرهم صور ولقطات أخرى يسيرون بشكل طبيعي.
فجأة ظهرت مشاهد مراقبين أميركيين يشاركون فلاحين مصريين ومشرفين على الانتخابات الرقص بالعصا على موسيقى "الطبل البلدي" أمام مركز للتصويت بمحافظة المنوفية، وتُظهر مراقباً آخر يدخن "الشيشة"، وآخرين يتناولون "الفطير المشلتت" الذي تشتهر به المحافظة.

انتشرت اللقطات حول العالم، لتكون النموذج الأكثر تعبيراً عن هذه الكوميديا التي يسمونها "العرس الانتخابي".



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 23 مارس 2018

وردة عيد الأم





 قبل أسبوعين، فاجأتنا إحدى الزميلات بتوزيع باقات زهور جميلة على الزميلات في مكتبنا بمناسبة "يوم المرأة العالمي"، وقالت حينها، إنها "تعبير من المؤسسة عن الامتنان لهن في يومهن".
 كانت اللفتة لطيفة وتستحق الإشادة، إلا أنها أثارت بعضاً من الامتعاض المكتوم في نفوس الزملاء الرجال، أو بالأحرى معظمهم، لكن أحداً لم يعلن امتعاضه خشية تسليط سيف العداء للنساء المشهر عليه، وهو أمر شائع في كثير من المجتمعات والمؤسسات التي تدعو إلى التحرر والإنصاف، بينما هي في الواقع غير بريئة من التمييز.
 ليس للرجال يوم عالمي، وكذا لا يملكون حالياً انتقاد تمييز النساء بتخصيص أيام ومناسبات عالمية. الحجة الرائجة أن العالم تحكمه النظرة الذكورية، وأن الرجال تسلطوا على النساء على مدار التاريخ، وتلك المناسبات تم تدشينها لمنح النساء حقوقهن الضائعة والتي يُتهم الرجال عادةً بتضييعها.
ترددت همهمات الرجال مجدداً، وكشف بعضهم على استحياء الامتعاض الذي كتمه في يوم المرأة بإشارات وحركات مفادها: أهلا بحقوق النساء. لكن لا ضير في شيء من الاحتفاء بالرجال!
قبل يومين حلت مناسبة "عيد الأم"، وفاجأتنا زميلة أخرى بتوزيع نبتة صغيرة تحمل زهرة رقيقة مرفقة بكلمات ثناء على الزميلات العزيزات للمرة الثانية خلال الشهر نفسه.
  بعد دقائق عادت الزميلة نفسها، في مفاجأة ثالثة، لتوزع على الرجال، وهم الأغلبية في المكان، زهرة أنيقة مغلفة بشريط وردي. لم يفهم كثير من الزملاء الأمر، وظنوا أنه جاء رداً على همهماتهم وامتعاضهم من تكرار الاحتفاء بالمناسبات النسائية.
لا أشكك في أن الزميلة على حق، فالغالبية العظمى من الزملاء أحرص على شراء الخبز والحليب والبيض، وعقول الرجال تفضل شراء اللحوم دائماً على اقتناء الزهور، على الرغم من علم بعضهم أن عقول معظم النساء على العكس من ذلك تماماً.
لكن الزميلة لم تترك مجالاً طويلاً للتوقعات والاستنتاجات، وعاجلتنا بأن الوردة الجميلة ليست لنا، وإنما هي لزوجاتنا، فانفجرت الهمهمات التي كانت مكتومة، وسمعت بعض التعليقات على إشارتها المباشرة إلى واقع تجاهل غالبية الزملاء، أو عدم انتباههم في الأصل، لفكرة شراء الورود لزوجته.
  بعد مغادرة الزميلات المكتب مساء، بات حوار الرجال أكثر تحرراً كما جرت العادة يومياً، فقال أحدهم إن زوجته قد تتهمه بالجنون إن دخل المنزل ليلاً حاملاً وردة، وليس ما طلبته منه من مستلزمات، وقال آخر إن الوردة ربما تسهم في تحسين علاقته الحميمة بزوجته، فرد ثالث متهكماً: يبدو أن بعض الزملاء لن يحضر غداً بسبب وردة عيد الأم، لينفجر الجميع في ضحك طويل.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 17 مارس 2018

مفاتيح الجنة والنار



 مات ستيفن هوكينغ فانشغل بعض العرب بأنه كان ملحداً، وزاد بعضهم أنه سيدخل النار مع الكفار، متجاهلين ما في قصة حياته الطويلة القاسية من عبر وعظات تبرهن على قدرة الإنسان على تحدي المستحيل وتطويع المصاعب، وما قدمه للبشرية من نظريات علمية. البعض يناقش أو ينتقد نظرياته وأبحاثه وآراءه، والبعض يرفضها أو يعتبرها بلا قيمة، وهذا حق للجميع، فنظريات العلم ليست مقدسة، والعلماء مهمتهم التوصل إلى أدلة على النظريات القديمة، أو تصحيحها، أو إثبات أنها غير صحيحة. لاحقاً عرفنا أن المهندسة التي قادت فريق بحث لتنفيذ برنامج يجعل هوكينغ قادراً على التواصل مع الآخرين عن طريق الكلام، من أصول فلسطينية، وولدت في الكويت، ولما شاهد بعض المهووسين بالتحريم ومنح صكوك الإيمان صورتها مع العالم الراحل، هالهم كيف أنها لا ترتدي الحجاب، ووصل بعضهم إلى حد استنكار أنها اختلت بالرجل بينما الخلوة محرمة، فنالها نصيب من التكفير ومن تحريم دخول الجنة واعتبارها من أهل النار. لا يمكن على وجه التحديد معرفة الجهة التي منحت هؤلاء الأشخاص مفاتيح الجنة والنار، أو حق تصنيف من سيرفل في النعيم ومن سيصفد في الجحيم، ولا يمكن، دون دراسة سلوكية ونفسية معمقة، فهم منطق هؤلاء الذين يكررون نصوصاً دينية تحدد مواصفات الإيمان الواجب توافرها في الأشخاص، ووفقها يتهمون من لا تتوافر فيه بالكفر، خصوصاً أن بعضهم لا يفهم أغلب تلك النصوص على الوجه الصحيح، كما أن بعض النصوص غير دقيق، أو محرف، أو مدسوس. نفس هؤلاء الأشخاص، كمثال، يدعمون الأنظمة الفاسدة والحكام المستبدين اعتماداً على نصوص دينية مجتزأة تجعل الخروج على الأحكام من الكبائر، "وإن جلد ظهرك، وإن سلب مالك"، وأغلبهم لا يعرفون أن نص الحديث يبدأ بـ"يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس". هؤلاء أنفسهم يتجاهلون نصوصاً أخرى صريحة حول فضل "كلمة حق عند سلطان ظالم"، وتعيب على المؤمنين السكوت على الظلم وتعتبر من يفعل ذلك منهم "شيطانا أخرس". لا سبب واضحاً حتى الآن، غير الغباء أو ربما التغابي، للتركيز على إيمان العالم بدلاً من علمه، أو على شخصيته بدلاً من مهارته. لماذا لا يفكر هؤلاء الذين يزعمون أنهم يحتكرون الإيمان، ولو قليلاً، في أسباب تخلفهم عن التطور القائم حول العالم؟ ألا يعرفون النصوص الدينية التي تستنكر التخلف العلمي؟ أم يتعامون عن النصوص التي تدعو لإتقان العمل والاجتهاد لتحسين أوضاعهم ومنح أبنائهم وأحفادهم مستقبلاً أفضل؟ إنهم منشغلون فقط بمنح صكوك الجنة والنار.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 10 مارس 2018

عدو المرأة



اشتهر الأديب الراحل توفيق الحكيم بأنه "عدو المرأة"، على الرغم من أن آراءه يمكن النظر إليها وفق المتعارف عليه من ثقافة مجتمعه، والغالب أن التهمة التصقت به لأنه عاش في فترة تموج بما أطلق عليه "تحرير المرأة"، وهو شعار ما زال قائماً على الرغم من مرور أكثر من قرن على ذيوعه.
يرجع كثيرون مسؤولية علاقة الحكيم المتوترة بالنساء إلى أول امرأة عرفها في حياته، وهي أمه، التي كانت سيدة متعجرفة متسلطة، يعتقد أنه رسم شخصيتها الكريهة من خلال شخصية "الهانم" في روايته الشهيرة "عودة الروح".
لكن الثابت أنه لم يكن عدواً مطلقاً، وإنما لم تكن آراؤه تلبي تطلعات من انتقدنه من النسوة، خصوصاً زعيمة حركة تحرير النساء آنذاك، هدى شعراوي، التي عارضها وجادل في صحة آراء تيارها، سواء في مقالاته أو رواياته.
هذا النص من حوار منشور أجري معه، مثال واضح: "ناديت دائماً بتثقيف المرأة تثقيفاً تاماً لتكون زينة البيت، وأستاذة الطفل، ومعلم الجيل. المرأة ليست قطعة من أثاث البيت توضع فيه بجهلها وعقلها المغلق. وهي ليست خادمة تطعم الرجل وتغسل ملابسه، ولكنها شريك محترم ينبغي أن يجد فيه الرجل متعة عقلية تحبب إليه البيت حتى لا يهرب إلى المقاهي. أؤيد بقاء المرأة في البيت لكي تكون بحق ملكة. إن من النساء في صدر الإسلام من فقن الرجال في فنون الأدب والعلم، وكان لبعضهن مجالس مشهورة يحضرها رجال الدولة ونوابغ الشعراء والأدباء. وكان ذلك في عصر لم تزاحم فيه المرأة الرجل في المناصب والأعمال".
في المقابل، تظل قصة إنكار هدى شعراوي لزواج ابنها من المطربة فاطمة سري، لأسباب طبقية، قبل أن تقضي محكمة بصحة الزواج، علامة فارقة في تاريخ الرائدة النسائية، وربما يصلح دليلاً على أن بعض النساء أكثر عداوة لبنات جنسهن من بعض الرجال.
ويبقى نص خطاب التنديد الذي أرسلته سري إلى شعراوي، نموذجاً معبراً عن التناقض بين الشعارات والواقع، وفيه تقول المطربة للزعيمة: "إن اعتقادي بك وبعدلك، ودفاعك عن حق المرأة، يدفعني إلى التقدم إليك طالبة الإنصاف، وبذلك تقدمين للعالم برهاناً على صدق دفاعك. لو كان الأمر قاصراً علي لما أحرجت مركزك، لعل أنك أم تخافين على ولدك ومستقبله، وعلى سمعته من أن يقال إنه تزوج امرأة كانت في ما مضى تغني على المسارح، ولك حق إن عجزت عن تقديم ذلك البرهان الصارم على نفسك؛ لأنه يصيب من عظمتك وجاهك وشرف عائلتك، كما تظنون يا معشر الأغنياء، ولكن هناك طفلة مسكينة هي ابنتي وحفيدتك (...) أخاف إلهاً عادلاً سيحاسبني يوماً عن حقوقها، إن لم تحاسبني هي عليها".

عسى أن تتخلص النساء أولاً من عداوة بعضهن.




سمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 3 مارس 2018

ذكريات القطار والمزلقان



 لم أكن يوماً خلال أكثر من 35 سنة، من هواة التنقل بين المحافظات باستخدام قطارات "سكك حديد مصر". كنت دوماً أفضّل وسائل النقل الأخرى رغم محاولات الأصدقاء والأقارب إقناعي أن القطار أفضل من الحافلات والسيارات، خصوصاً في المسافات البعيدة، مثل السفر إلى الأقصر أو أسوان في أقصى الجنوب، أو مرسى مطروح في أقصى الغرب، حتى أن بعضهم كان يؤكد أفضلية القطار في السفر إلى الإسكندرية التي لا تبعد عن القاهرة بالسيارة أكثر من ساعتين. لكن علاقتي بالقطار كانت وثيقة خلال أكثر من 10 سنوات متواصلة، إذ كان منزلي يبعد عن مسار قطارات "القاهرة- الصعيد" في قلب محافظة الجيزة، نحو كيلو متر واحد، عبر "مزلقان أرض اللواء". المزلقان لمن لا يعرفه هو إشارة مرور خاصة بخطوط السكك الحديدية التي تمر عبر المناطق السكنية، ومزلقان "أرض اللواء" استمد شهرته من كونه يقبع في قلب منطقة سكنية مزدحمة بنحو مليوني شخص يعيشون على جانبيه، وأنه يفصل بين منطقة المهندسين الراقية، ومنطقة أرض اللواء التي كانت قبل أقل من 20 سنة ريفية، ثم تحولت سريعاً إلى منطقة شعبية، وهي حالياً عامرة بالأبراج السكنية الفاخرة. لم أعرف يوماً سبباً لتسمية المزلقان باسم المنطقة الشعبية وليس باسم المنطقة الراقية، رغم أنه يؤدي إلى كليهما، لكني شهدت خلال فترة إقامتي الطويلة نسبياً الكثير من الحوادث التي راح ضحيتها عشرات الأشخاص تحت عجلات القطار خلال عبورهم المزلقان البدائي الذي يتولى إدارته عامل بسيط، ويتكوّم على جانبيه عشرات الباعة الذين يعرضون أنواعاً كثيرة من المستلزمات الحياتية تتباين بين الهواتف والملابس والأحذية والفواكه والخضراوات وغيرها. كنت أعيش رعباً يومياً بسبب المزلقان، فأطفالي يعبرونه يومياً للذهاب إلى المدرسة، وتكرار الحوادث وسقوط الضحايا، وأغلبهم من الأطفال، كان هاجساً متواصلاً. طيلة فترة إقامتي في المنطقة كنت شريكاً وشاهداً على حملات ومبادرات لتطوير المزلقان، أو التخلص منه. الواقع أنه طيلة 20 سنة، أعلنت حكومات مصرية متعاقبة عن خطط للتخلص من مئات المزلقانات المنتشرة في أنحاء البلاد بهدف وقف نزيف الدماء اليومي. قبل ثلاث سنوات فقط اختفى ما كان يسمى "مزلقان أرض اللواء". تم استبداله بجسر مشاة، وبات للسيارات جسر آخر يربط بين جانبي طريق القطار، لكن عشرات المزلقانات ما زالت تحصد الأرواح في مصر، فضلاً عن تدهور أحوال القطارات وغياب صيانتها الدورية التي تجعلها تتصادم أو تخرج عن الطريق، كما حدث الأربعاء الماضي عندما تصادم قطارا المناشي في محافظة البحيرة وأوقعا قتلى ومصابين.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 24 فبراير 2018

أربعة عقود من التطبيع




 يوم 26 فبراير/شباط 1980، وصل دبلوماسيون يمثلون دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى مقر أول سفارة صهيونية في عاصمة عربية. افتتحت سفارة العدو في القاهرة على مسافة أمتار من نهر النيل، وعلى مقربة من جامعة القاهرة، مقابل حديقة الحيوان في الجيزة. يتذكر سكان شارع "بن مالك"، حيث كانت السفارة، اليوم المشؤوم الذي أقيمت فيه مراسم الافتتاح، وتم رفع علم الكيان الصهيوني فوق البناية رقم 6 في الشارع الهادئ، على مرمى حجر من تمثال "نهضة مصر"، باعتبارها إحدى نتائج زيارة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات إلى إسرائيل، ثم التوقيع على ما يصطلح على تسميته "معاهدة السلام" في 1979، بعد ست سنوات على انتصار غير مكتمل في حرب كانت الأخيرة مع العدو الإسرائيلي لتحرير شبه جزيرة سيناء. بعد هذا اليوم الذي دشن تطبيع العلاقات المصرية مع إسرائيل رسمياً، جرت الكثير من وقائع التطبيع المصرية والعربية، وتكررت التنازلات على جميع المستويات، وبينها بيع الغاز الطبيعي المصري لإسرائيل بأسعار زهيدة، قبل أن يبدأ قبل أيام تدشين عهد جديد من علاقة التطبيع بشراء شركة مصرية للغاز الإسرائيلي بمباركة حكومية اعتبرتها "جبنا جون"، على حد قول رئيس النظام شخصياً، وهو نفسه صاحب مصطلح "السلام الدافئ مع إسرائيل". تذكرت قصة افتتاح السفارة، ولقطات الفيديو التي وثقت الواقعة وظهر فيها سكان المنطقة في حالة من الذهول، وانخرط بعضهم في بكاء مرير على ما وصلت إليه الأمور من ابتذال بعد سنوات قليلة على حرب راح ضحيتها الآلاف من المصريين. ظل العلم الإسرائيلي مرفوعاً على مبنى السفارة أكثر من ثلاثة عقود، رغما عن أنف الشعب المصري الرافض للتطبيع، إلى أن مكنت ثورة يناير المصريين لشهور قليلة من التعبير عن رأيهم واضحاً دون خوف من قمع النظام، فقام شبان مصريون في سبتمبر/أيلول 2011 باقتحام السفارة وتدمير محتوياتها بعد تجاوز الجدار الخرساني الذي أقامته السلطات لحمايتها. في تلك الليلة، التي كنت أحد الحاضرين فيها، تجمع المئات من شباب مصر الغاضبين من تطبيع حكومات بلادهم المتلاحقة مع العدو، وقرروا إزالة وصمة وجود سفارة للكيان الصهيوني في عاصمتهم، وتسلق شاب طوابق البناية الشاهقة وصولاً إلى الطابق الأخير، حيث توجد السفارة، وقام بانتزاع العلم الإسرائيلي المرفوع في سماء القاهرة، وسط تهليل وثناء المتجمعين. لاحقاً، طاردت السلطات مقتحمي السفارة، واشتبكت معهم، وأسفرت الاشتباكات عن مصرع بضعة أشخاص وإصابة المئات واعتقال العشرات، لكن ظلت السفارة مغلقة أربع سنوات، حتى أعيد افتتاحها مجدداً في سبتمبر 2015، بعد أن استعاد الجيش حكم البلاد بانقلاب عسكري على الثورة بحجة إزاحة الإخوان من الحكم.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 16 فبراير 2018

حكايات 2011



 مطلع عام 2011، كانت غالبية الشعب المصري تكره الثورة ومن قاموا بها، وتقاومها بكل الوسائل. لا تصدق الأكاذيب الرائجة بأنها كانت ثورة شعب، أو أن عشرين مليون مصري شاركوا فيها، فمن شاركوا في الثورة لا يزيد عددهم عن مليوني شخص في كل أنحاء البلاد. ظهرت الملايين فقط في الاحتفال بتنحي حسني مبارك، وغالبيتهم كانوا ضد الثورة، لكنهم نزلوا إلى الميادين والشوارع لالتقاط الصور، حتى أن بعضهم تحدث عن بطولاته في الميادين خلال الثورة، بينما كان في الواقع يشاهد ما يجري في التلفزيون مكتفياً بصب اللعنات على المتظاهرين الذين يهددون استقرار البلاد. في أيام الثورة الأولى كانت حملات التخوين والتشويه على أشدها، ثم اشتد عود الثورة لأنها استطاعت تغيير الواقع، فبدأ الآلاف ينضمون أو يتعاطفون، وبدأ خفوت أصوات ملايين الرافضين المتشدقين بما تنشره الأجهزة الأمنية حول العمالة والكنتاكي والأجندات. خلال السنة اللاحقة لتنحي مبارك عن الحكم، تبلورت قدرات وخبرات جهات مقاومة للتغيير ترغب في قتل مكاسب الثورة كونها تضر بهم وبمصالح ضخمة حصدوها في ظل أنظمة فاسدة سابقة. كان واضحاً أن الخيوط كلها تدار من مكان واحد داخل أحد مقرات الجيش الذي تولى السلطة بعد مبارك. الحكام الجدد "العسكر" يكرهون الثورة ومن قاموا بها، لكنهم في الوقت ذاته أبرز من استفاد منها، فقد أنهت ملف توريث الحكم لجمال مبارك، والذي كانوا يرفضونه لأنه مدني وليس منتمياً إلى المؤسسة العسكرية، كما أن الثورة جعلتهم يستعيدون قوتهم التي فقدوها لصالح الشرطة التي أكسبها مبارك مساحات واسعة من السيطرة على البلاد على حسابهم. بمرور الشهور، بات واضحاً لكل ذي عقل أن العسكريين يعملون على تقويض الثورة وإزالة مكاسبها القليلة، علماً منهم أن تحقق أهدافها سيكون وبالاً عليهم. على الجانب الآخر، لم يكن المشاركون في الثورة يدركون خطورة ما يحاك لهم، وكانوا يتعاملون مع قيادات المجلس العسكري الحاكم بسذاجة مفرطة، لا تخلو من شعور زائف بالانتصار على النظام السابق، رغم أن غالبية رموز هذا النظام في كل المجالات كانت حاضرة في الساحة. نجح العسكريون في كل ما فشل فيه المدنيون، ربما لأنهم كانوا أكثر خبرة، أو لأن الدولة العميقة كانت أقرب إليهم من الثوار، فقد صنعوا أحزاباً وتكتلات، وامتلكوا وسائل إعلام، واستمالوا مثقفين وفنانين وكتاباً. في المقابل، تفرغ الثوار للصراع على غنائم متخيلة، ولم تنجح مساعيهم لتشكيل أحزاب أو كيانات سياسية أو إعلامية حقيقية، وباع كثير منهم نفسه للسلطة الجديدة، فخسروا وخسرت الثورة.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية
حدث خطأ في هذه الأداة