السبت، 19 مايو 2018

فانوس ومسحراتي

يعيد حلول شهر رمضان سنويا إلى مخيلتي الكثير من ذكريات الطفولة المرتبطة بطقوسه المميزة في مصر، والتي اختفى بعضها تماما، وتطور بعضها الأخر.
 كأغلب أقراني آنذاك، كان لفانوس رمضان أهمية كبرى كأحد مستلزمات الشهر الأساسية، وإن كانت عملية شراءه لا تخلو من مشكلات بسبب إعجابي بأكثر من فانوس عادة، وعدم القدرة على اختيار أحدها، أو اختيار الفانوس، ثم اكتشاف فانوس أخر أفضل. لم تكن عملية الشراء عادة تمر بهدوء.
 لازلت أتذكر فانوسي المعدني الصغير المزين بالزجاج الملون، والذي تضيئه شمعة بيضاء رفيعة، وأتذكر أنني حصلت في سنوات لاحقة على فوانيس أكبر حجما، لكن ظل الفانوس الأول صاحب الحظوة عندي.
في سنوات لاحقة توقفت عن شراء الفانوس باعتباره شأن طفولي. وقتها ظهرت أنواع من الفوانيس التي تصدر صوت موسيقى أو يسمع منها أجزاء من أغنيات أو أدعية دينية، كما ظهرت أشكال متعددة من الفوانيس، لكن كل تلك الأشكال لم تؤثر على مكانة الفانوس المعدني المغطى بالزجاج الملون الذي يحوي شموعا، والذي تحول بمرور السنين إلى هدية قيمة.
عندما ظهر الفانوس الذي يضيء بمصباح يعمل ببطارية جافة، والذي كان حدثا كبيرا وقتها، لم أكن من المعجبين به، ولم أنفك أفضل فانوس الشمعة التقليدي عليه، ولازلت حتى يومنا هذا.
  مثلما ارتبط رمضان في مخيلتي بالفانوس، كانت مكانة المسحراتي مميزة، رغم أن مهمته الأصلية في تنبيه الناس إلى موعد السحور لم تعد مطلوبة لتعدد وسائل التنبيه مثل الساعة والراديو والتليفزيون، وصولا إلى الهواتف المحمولة.
لم يكن مسحراتي حينا يكرر تلك النصوص الشهيرة المتداولة عن المسحراتي "اصحى يا نايم. وحد الدايم. وحد الرزاق. رمضان كريم"، وإنما كان يكتفي بنقر طبلته الصغيرة نقرات خفيفة، قبل أن ينادي بصوت عال: "سحور يا حاج صلاح. سحور يا أستاذ علي"، أو ينادي سيدة البيت باسم ابنها أو ابنتها "سحور يا ست أم محمد. سحور يا ست أم سحر"، فذكر السيدات بأسمائهن المجردة كان ولا زال غير مستحبا في المجتمعات الشعبية. 
كان مرور المسحراتي في حينا الصغير يوميا، طقسا محببا لي في سنوات طفولتي، وكنت وغيري كثيرين، ندور معه على منازل الحي حاملين فوانيسنا المضاءة كل ليلة تقريبا.
  وفي رحلتنا مع المسحراتي كل ليلة عبر دروب الحي الضيقة، كنا لا نستطيع إخفاء انبهارنا بقدرته على حفظ أسماء جميع السكان، وكيف أنه يعرف أين يقيم كل منهم تحديدا، ولا يكاد يخطأ أبدا في اسم أو عنوان.
لم يكن يشغلنا وقتها كيف يكسب المسحراتي قوت يومه بعد انتهاء شهر رمضان، وكذا صانع الفوانيس.







يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 12 مايو 2018

ما يستحقه العرب

يؤكد صديقي أن أبرز عيوب ثورات الربيع العربي تتمثل في عدم فهم من شاركوا فيها لمَوَاطن الخلل في مجتمعاتهم التي تم اللعب بثقافتها وثوابتها على مدار قرون، بداية من تكرار ضرورة الصبر على الفساد والظلم رغم مخالفة ذلك للمنطق والأديان، وصولاً إلى عدم المطالبة بالحقوق الأساسية خوفاً من تأثير ذلك على استقرار البلاد، رغم أن الرضا بالفُتات والصبر على الفشل لا يضمن بحال استقرار العباد، وبالتالي فلا يمكن أن تستقر البلاد.
 صديق آخر ينتظر وقوع كارثة عربية كبرى، اعتقاداً أن كل الفشل القائم والتفريط في الأرض والثروات، وقمع الشعوب، والهرولة نحو التطبيع مع إسرائيل، وغيرها، ليست كوارث يمكن أن يستفيق بسببها المواطن العربي الذي بات يتعامل معها باعتبارها واقعاً يومياً، ولا يكاد يستنكرها أو ينزعج بسببها، وإن فعل فإن ذلك يكون على استحياء. يجادل صديق ثالث رافض لنظرية الكارثة، مؤكداً أن العرب لا يتحملون المزيد من الكوارث، وأن ما تعيشه شعوب أغلب الدول العربية يعد تجسيداً كاملاً لما يمكن أن يطلق عليه وصف الكارثة. يبادره الثاني قائلاً إنه لا يتمنى وقوع الكارثة له أو لغيره، لكنه في الوقت ذاته يعتقد أن بلادنا المنكوبة وشعوبنا البائسة قد لا تستفيق إلا على وقع تلك الكارثة المدوية، مثلما حدث في اليابان من دمار بعد القنبلة الذرية، أو في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. يقول صديقنا الأول إن أحداث الربيع كشفت أن الشخصية العربية متشابهة جداً، سواء في طريقة التفكير، أو تكرار الشعارات والعبارات المحفوظة دون وعي، وأن الغالبية لديهم استعداد دائم للانخداع بما تروجه وسائل الإعلام من أكاذيب لا يصح أن يصدقها عاقل، ومتشابهون حتى في تجاعيد البؤس والفقر التي تملأ الوجوه. يرى صديقنا الثاني أن الأزمة داخلنا، وأننا مسؤولون بشكل ما عن كل ما نعانيه، وأن أوضاعنا لن تتغير إلا إن تغيرنا. لا يختلف أي منا معه، وإن كانت لدينا كثير من التفصيلات حول ما قال. يقرأ علينا نصاً منسوباً إلى المفكر المصري الراحل إبراهيم الفقي، يقول: "إن الأفكار لها قوة أكبر مما تتخيل، فهي إما تأخذك إلى السعادة أو إلى التعاسة، وفي كلتا الحالتين أنت صانع هذه الأفكار. لذا لاحظ جيداً ما الذي تفكر فيه لأن أفكارك ستحدد واقع حياتك، ومستقبلك، فكلما كانت أفكارك إيجابية وبناءة كلما عشت حياة ناجحة، وكلما كانت أفكارك سلبية فأنت أبعد ما تكون عن تحقيق أي شيء. حياتنا مشغولة بخلافات غير ضرورية، لأن عقولنا مملوءة بأفكار غير ضرورية، لذلك يعيش أغلبنا حياة بلا معنى، وفي الحقيقة غير ضرورية".



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 5 مايو 2018

لقاء في مقهى

التقينا بعد طول غياب لنسترجع ذكريات مرّ عليها نحو 10 سنوات في القاهرة، وفي الإسكندرية، تذكرنا كثيرا من حكايات العمل، والأصدقاء المشتركين. ضحكنا وسخرنا وعلت وجهينا لحظات عبوس.
 استغرقتنا لحظات صمت عندما استحضرنا الأيام الأولى من ثورة يناير. هي لم تكن من مؤيديها ومازالت ضدها، لكنها قادمة من عطلة استمرت ثلاثة أسابيع في مصر، وعلى عكس مرات سابقة، تبدو أكثر انزعاجاً من تفاقم الأزمات المعيشية.
 انتقل حديثنا إلى صديقة قديمة مشتركة. قالت: هل عرفت أن صديقتنا تزوجت مجدداً؟ قبل أن أرد متعجباً، عادت لتقول: لكنها تطلقت مجدداً بعد بضعة أشهر.
سألتها عن تفاصيل أكثر عن صديقتها الحميمة. لماذا قررت الزواج مجدداً؟ ولماذا لم يستمر الزواج الجديد؟ فقالت لي إنها تزوجت زميل عمل هرباً من الوحدة، لكنها اكتشفت بعد فترة قصيرة أنها باتت غير قادرة على تحمل العيش في ظل رجل بعدما عاشت لسنوات كامرأة حرة.
كانت صديقتنا مطلقة منذ سنوات، وكان طلاقها مفاجئاً لأغلبنا بسبب العلاقة الرائعة التي كانت تربطها بزوجها الذي كنا نلتقيه في مناسبات مختلفة.
  استطردت في الموضوع، ليس موضوع الطلاق الثاني لصديقتنا، وإنما ظاهرة تفشي الطلاق بين أفراد جيلنا بعكس ما كان عليه الأمر في أجيال سبقتنا.
لم أستطع كتم سخريتي، فقلت إن الأزواج عادة يغادرون إلى القبور قبل زوجاتهم بسنوات، وإن الزوجات على الأغلب يعتبرن السبب الرئيس لوفاة الأزواج.
قالت صديقتي إنها حكت لأمها عن طلاق صديقتها، فعاجلتها الأم بأن الطلاق لم يكن معروفاً في زمانها، وأن غالبية النساء كن يغادرن بيوت أزواجهن فقط إلى القبور.
  لم تضحك صديقتي، بل شردت قليلاً قبل أن تتمتم بمرارة أن الزيجات البائسة أو الطلاق، رغم كل ما يمكن أن يخلفانه في نفوس النساء من آثار، أفضل كثيراً من تقدم المرأة في العمر دون زواج، وأن لقب المطلقة يظل أفضل من لقب العانس.
هممت بمجادلتها لتأكيد أن العنوسة أفضل من الزواج التعيس، وأن الطلاق أفضل كثيراً من مواصلة زواج بائس، فقاطعتني أصوات الجالسين في المقهى الذين كانوا يهتفون باسم لاعب أحرز هدفاً في مباراة لكرة القدم لم أكن مهتماً بمعرفة طرفيها. قررت وقف حوارنا الكئيب، فسألتها عن المباراة رغم علمي مسبقاً أنها ليست من مشجعي كرة القدم مثلي.
 فهمت مقصدي، فقررت مجاراتي في ترك حكايات الزواج والطلاق والعنوسة، إلى كرة القدم التي يحيط بنا مشجعوها، فقادنا الحديث إلى أزمة اللاعب المصري المحترف في ليفربول الإنكليزي محمد صلاح.
قضينا الساعة التالية في الحديث عن هموم الغربة التي يعيشها كلانا.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 27 أبريل 2018

فضفضة عربية

يعتقد صديق أن إصرار كثير من العرب، خصوصاً من كبار السن، على بقاء الحاكم، حتى لو كان ديكتاتوراً أو فاشلاً، سببه تجاربهم السابقة مع التغيير التي كانوا يأملون منها الخير، لكنها جلبت عليهم مزيداً من البؤس. نحتج على ما قاله، فيحيلنا إلى نتائج الربيع العربي الذي كان هدفه تغيير أنظمة مستبدة، فانتهى إلى إحلال أنظمة أكثر استبداداً. يمثل الصديق المتشائم وجهة نظر قطاع من العرب الذين يؤمنون بأن من يفشل مرة يجب أن لا يحاول مجدداً. هؤلاء أنفسهم يكررون عشرات الأمثال الشعبية المتداولة التي تحض على الرضا بالوضع المتاح، حتى لو كان مأساوياً. يطرح صديق آخر نظرية مفادها أن الطباع السيئة التي يبديها مواطنون عرب تجاه بعضهم البعض ليست إلا نتيجة طبيعية لعدم قدرتهم على مقاومة الأنظمة التي تحكمهم بالحديد والنار، وأن هؤلاء المحكومين البائسين يلجؤون إلى تفريغ غضبهم المكبوت في آخرين مثلهم أملاً في استشعار قدرة ما على رد الفعل، حتى إن كان رد فعل مزعوم، أو بالأحرى مذموم. يأخذنا صديق ثالث إلى رواية "فساد الأمكنة" للكاتب المصري الراحل صبري موسى، ويقرأ لنا منها نصاً حول قسوة المدينة على نفوس الناس، يقول: "إن مئات الخطايا الصغيرة التي نرتكبها بسهولة ويسر في المدينة ضد أنفسنا وضد الآخرين، تتراكم على قلوبنا وعقولنا، ثم تتكثف ضباباً يغشى عيوننا وأقدامنا، فنتخبط في الحياة كالوحوش العمياء. فالمدينة زحام، والزحام فوضى وتنافس وهمجية. ولكنهم في الصحراء قلة، والخطايا الصغيرة تصبح واضحة تطارد من يرتكبها، ويصبح ضبابها على النفس أشد كثافة وثقلاً، بينما تحتاج دروب الحياة في الصحراء إلى بصيرة صافية نفاذة لتجنب أخطارها". ينقل أحد الأصدقاء دفة الحديث إلى رواية أخرى هي "حرب الكلب الثانية" للروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله، والفائزة بجائزة "البوكر" قبل أيام، ويقرأ لنا أحد حواراتها المعبرة، يقول الشخص الأول: "لاحظت أن الناس لم تعد تتعارك وتختلف لتجرح، بل لتقتل نهائياً، كما لو أنهم متفقون على قاعدة: من مكان الشجار إلى المقبرة دون المرور بالمستشفى". فيسأله الثاني: "هل يحاولون التخفف من مصاريف العلاج؟"، فيرد: "لا أظن هذا، لقد قرروا التخفف ممن يشبهونهم إلى الأبد بعد أن كانوا قد تخففوا ممن يختلفون عنهم في الماضي". يشخص الحوار القصير الحالة القائمة في أغلب بلدان الربيع العربي، حيث تحول شركاء الثورة إلى أعداء، على الرغم من أنهم لا ينفكون يكررون المثل العربي الشهير "أكلت يوم أكل الثور الأبيض". ما يمكن اعتباره الانتصار الأهم للثورة المضادة.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية



الجمعة، 20 أبريل 2018

وزن زائد


 بدأتُ قبل أكثر من شهر مضى، خطة جادة للتخلص من الوزن الزائد. توقفت عن تناول الطعام بعد التاسعة مساء، وامتنعت عن استهلاك السكر، كما امتنعت عن تناول الخبز. وألقيت كل ما كان لدي من المقبلات و"المخللات" في القمامة، وصرت أواظب على المشي أو الجري ساعة يومياً على الأقل، وساعتين على الأقل في العطلات الأسبوعية. عندما بدأت كان وزني يتجاوز المعدلات الطبيعية بتسعة كيلوغرامات كاملة، والآن فقدت خمسة منها، ولا يزال يتوجّب عليّ التخلص من خمسة كيلوغرامات أخرى. لكنها أصعب من سابقتها. بعد فقدان هذا الوزن الزائد بدأت أتلقى تشجيعاً من أغلب الزملاء، وتشجع عدد منهم للتخلص من وزنه الزائد أيضاً. أغلب الزملاء يعانون من المشكلة التي يمكن اعتبارها ظاهرة في كثير من أماكن العمل، وخصوصاً في مهنتنا التي تساعد على زيادة الوزن، إما بسبب الأوقات الطويلة التي نقضيها جلوساً، للكتابة والقراءة ومتابعة الأحداث، أو ما يمكن أن تسميه عدم وجود مواعيد ثابتة للعمل، حتى وإن كانت هناك مواعيد رسمية، وبالتالي تتأثر مواعيد تناول الطعام وممارسة الرياضة. نحن نعمل على مدار الساعة، حتى خلال ممارسة الرياضة، أو عند الذهاب إلى دور السينما، أو مشاهدة مباريات كرة القدم. تدور أغلب تفاصيل حياتنا حول العمل، ونربط كل ما نمارسه به، وأحياناً ما تتحوّل مهمة تسوّق إلى موضوع للكتابة، أو تمنح فكرة ما ضمن موضوع، وعادة ما ننتبه خلال نشاط نقوم به إلى ارتباطه بموضوع أو فكرة خاصة بالعمل. لا توفّر أغلب أماكن العمل، لأسباب اقتصادية في العادة، للعاملين مساحات لممارسة أي نوع من الرياضة، وبالتالي يتحوّل العمل إلى أحد أسباب السمنة، فضلاً عن أمراض العمل الأخرى المعروفة. وتؤكد كثير من الدراسات في مجالات الصحة واللياقة البدنية وجودة العمل، أن توفير صالة رياضية صغيرة في مكان العمل يمكن أن يزيد من إنتاجية العاملين، ويحافظ أيضاً على صحتهم البدنية والعقلية، بما يوفر لمكان العمل الكثير. شاهد كثيرون لقطات فيديو عدة تظهر موظفين يمارسون الرقص الجماعي قبل بدء العمل، أو خلال فترة الراحة بين ساعات العمل الطويلة، لكن أحداً من هؤلاء يدرك أنه لن يمكنه الرقص في مكان عمله لأسباب أغلبها يتعلق بالتقاليد العربية الرائجة. دعك من الرقص. تعال نتحدث عن إقرار دقائق يومياً لممارسة أي رياضة خلال ساعات العمل، ربما تكون تلك الدقائق كفيلة بتجديد النشاط وتصفية الذهن بما يسمح باستكمال مهام العمل على الوجه الأكمل.

طرحت الفكرة على زملاء، فأقروا بأهميتها، ثم تقمص أحدهم دور المدير، ورفض تطبيقها قطعيا.





يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 13 أبريل 2018

خايف للغربة تحلالك

جمعتني، قبل أيام، جلسة امتدت لساعات مع أشخاص ينتمون إلى جنسيات عربية مختلفة، كما تتباين المهن التي يمارسونها، وتتفاوت أعمارهم ومستوياتهم التعليمية والثقافية. كنا نتحاور حول موضوع واحد هو "الغربة".
أغلب الحضور كانوا مغتربين عن أوطانهم لأسباب اقتصادية، لكن الحوار كان مليئا بالتباينات.
بدأت صديقتنا اللبنانية الحوار بتأكيد عدم رغبتها في العودة إلى بلادها، وأنها تشعر أن حياة الغربة أكثر راحة من العيش في الوطن، فوافقها صديق مصري قائلاً إنه لا يفكر في العودة لأنه يرفض العيش في كنف نظام يحكم بلاده بالحديد والنار.
كان صديقنا الليبي متحفزاً لطرح وجهة نظره. قال إنه لم يكن يخطر بباله يوماً أن يغادر بلاده، أو أن لا يتمكن من العودة إليها مجدداً، لكن الأوضاع التي آلت إليها البلاد تدفعه إلى ذلك، مضيفاً أنه يصعب عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الإطاحة بالعقيد القذافي.
انبرى رفيقنا المغربي متهماً إياه بالحنين إلى عهد القذافي، وأفاض في سرد الكوارث التي فعلها العقيد طيلة عقود قبل قتله على أيدي الثوار.
فضّل صديقنا الليبي الصمت، فحاولت صديقة سورية انتشاله من تهمة الحنين إلى عهد بائد، مؤكدة أنه لا يمكن بعد كل ما جرى في بلدان الربيع العربي أن نستنكر بعضاً من الحنين إلى هدوء العهود السابقة، وإن كان الفساد مستشريا فيها، وضربت مثالاً ببلدها الذي بات شبه مدمر بالكامل، والذي يحلم كل شخص يحمل جنسيته لو عادت الأمور إلى ما قبل 2011، رغم كل ما كان قائماً من ظلم وقمع وفساد.
كان رفيقنا الفلسطيني يراقب من دون تدخل، فوجهت إليه سؤالاً مباشراً حول رغبته في العودة إلى فلسطين. تجهّم الشاب الذي لا يكف عادة عن الضحك والسخرية، وقال إن القرية التي تم تهجير جده منها بعد النكبة لم تعد موجودة على الخريطة، وبالتالي فإنه لا يملك مسقط رأس يعود إليه.
سيطر الوجوم على المجموعة لفترة، قبل أن تقطعه صديقتنا السورية قائلة: إذا ما عدت وعاد غيرك، فعندها يمكن إعادة القرية إلى الخريطة مجدداً، فاحتد الشاب قائلاً: هذا يستلزم إنهاء الاحتلال أولاً، وكيف ينتهي الاحتلال بينما الفصائل الفلسطينية تتصارع معاً على تفاهات بدلاً من الاتفاق على أسلوب موحد للمقاومة.
تدخّل صديق يمني مؤكداً أنه سيعود في حال أتيحت له الظروف، وأنه لن يسمح للغربة التي فرضت عليه أن تستمر إلى الأبد.
ساد صمت بارد قطعه تسلل صوت محمد عبد الوهاب في مقطع "خايف للغربة تحلالك. والبعد يغير أحوالك. خليني دايما على بالك. يا مسافر وحدك وفايتني".

نظر بعضنا إلى بعض للحظات، قبل أن يبدأ أغلبنا ترديد الأغنية.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 6 أبريل 2018

محاولة هروب فاشلة



يواصل صديقي، منذ نحو سنة، مساعيه الجادة، الفاشلة حتى الآن، للهرب من ما يصفه بأنه "الجحيم المستعر في الشرق الأوسط"، والذي يقول إنه يترك في نفسه آثاراً شديدة الخطورة، حتى إنها بدأت مؤخراً تؤثر على جسده الذي لم يعد يتحمل متابعة الأخبار اليومية، ما اضطره إلى عدم متابعة وسائل الإعلام نهائياً.
غادر صديقي مصر، قبل سنوات، يقول إنه قرر، مثل كثيرين، المغادرة، بعد أن تم وأد حلمهم في التحرر من الديكتاتورية والفساد والقمع، واستعادة بلدهم الذي يرعى مصالح مواطنيه ويحفظ لهم حقوقهم، ليكتشفوا أنهم خرجوا من قبضة عصابة مستبدة ليسقطوا في قبضة عصابة أخرى مماثلة، كل ما يهمها هو حماية مصالحها، بغض النظر عن مصالح الوطن أو المواطن.
قابلني قبل أيام مصادفة، فاستعدنا حواراتنا السابقة حول الهجرة. كانت لديه رؤية جديدة، قال لي إن البقاء في الشرق الأوسط بعد مغادرة مصر لم يمنحه القدر الكافي من السلام النفسي حسبما كان يعتقد سابقاً، وأن الأزمة في مصر جزء من أزمة الإقليم الذي لا يتوقع أحد أن يستقر قريباً، بل ربما تتصاعد مشكلاته أكثر مما هي عليه الآن.
وأكد أنه قرر المغادرة مجدداً بعد محاولات متعددة ومتباينة للتكيف، أو بالأحرى التصالح مع الواقع، وكان قراره الجديد هو الابتعاد، قدر المستطاع، عن منطقة الشرق الأوسط. كان يحاول الهجرة إلى كندا في أقصى الشمال الغربي، أو إلى أستراليا في أقصى الجنوب الشرقي.
لكن عملية الهروب التي كان يتوقعها يسيرة، لم تسر كما تخيل بسبب كثير من المعوقات، حتى وصل مؤخراً إلى قناعة مفادها أنه من المنحوسين المكتوب عليهم أن يعيشوا بقية حياتهم وسط هذا الصراع المحتدم، مشيراً إليّ باعتباري أيضا من هؤلاء الأشخاص المنكوبين.
حاولت أن أجادله في منطق الهرب أو مآلاته، لكني وجدتني متفهماً لما يقوله، ربما لأنني كنت متعاطفاً معه، وربما لأنني فكرت مثله في الهرب بعيداً عن الشرق الأوسط، وإن لم أتخذ قراراً جدياً بالسعي إلى ذلك.
عاجلني قائلاً: قررت أن أترك مهنتي التي قضيت فيها نحو ربع قرن من عمري لأختبر مجال عمل جديد، وأتمنى أن أنجح في هذه المحاولة للهروب.
لم أستوعب فكرة الهرب من الواقع بتغيير المهنة، لكني أصبحت أشفق عليه أكثر، فقد وصل إلى مرحلة من القنوط لم يعد يملك أمامها إلا استحداث أشكال تغيير تخالف المنطق.

شجّعته على فعل ما يراه مناسباً، أو بالأحرى متاحاً، للخروج من الأزمة التي يحاول الفكاك منها، فقال لي إنه بات يعتقد أن الهرب ليس حلاً، وأنه لا مناص من المواجهة. قالها بترددِ مَن لم يتخل كلياً عن خطط الهجرة إلى أقصى الشمال أو أقصى الجنوب.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 30 مارس 2018

كوميديا انتخابية مصرية




أطلقت زميلتنا السوريّة اسم "جولان" على ابنها، تيمّناً بالهضبة التي احتل العدو الصهيوني أغلب مساحتها بعد حرب 1967، بالتزامن مع احتلال شبه جزيرة سيناء المصرية.
يوم انطلاق ما يقال إنه "الانتخابات الرئاسية" في مصر، كان جولان بصحبة أمه في مكتبنا، وكان محط أنظار الزملاء، وخصوصا الزميلات.
بدأت الزميلة ملاطفة رضيعها قائلة "سيسي"، فضحك الطفل الذي لم يتجاوز بضعة أشهر من عمره، وكلما كررت أمه اللفظ نفسه، كرر الضحك، لتؤكد لنا أن هذه أحد ألعابهما اليومية المحببة.
لا يدرك "جولان" لصغر سنه، أن هذا اللفظ الذي تداعبه به أمه هو اسم الرئيس المصري، وهو لا يعرف بالطبع أن هذا اليوم يوافق أول أيام التصويت على تمديد فترة حكم السيسي لمصر، وسيعرف حين يكبر أن الديكتاتور الدموي صاحب الاسم الذي أضحكه صغيراً يثير الضحك حول العالم كلما تحدث، على الرغم من كل ما تضمه أحاديثه من كوميديا سوداء.
في الأيام التالية، وربما حتى اليوم، تحولت وقائع الانتخابات المصرية إلى وسيلة البهجة الأكثر انتشاراً بين الزملاء من كل الجنسيات، هؤلاء يستعرضون صوراً لمصوتين صادفوها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهؤلاء يشاهدون لقطات فيديو متداولة عن الانتخابات، أو يتابعون حديث إعلامي أو فنان أو رياضي مصري عن الانتخابات، وكلها تنتهي بوصلات من الضحك، وإطلاق "قفشات" و"نكات".
تعتبر الانتخابات ممارسة سياسية جادة. لكنها في مصر باتت مصدراً للكوميديا منذ تم إقرارها كبديل للاستفتاء على بقاء الرئيس في منصبه في 2005، وزادت الكوميديا بعد ثورة يناير 2011، وكأن تلك الكوميديا المصاحبة للانتخابات مقصودة للتسفيه من قيمتها، خصوصاً أن هؤلاء الذين نظموا كل الانتخابات التي عرفتها مصر، لا يؤمنون بالديمقراطية أو تداول السلطة، كما يحرصون على الإجهاز على أبسط مبادئ النزاهة والشفافية.
هذا العام، لم تكن فيديوهات وصور الرقص أمام مراكز التصويت هي الظاهرة الأبرز، كما كان الأمر سابقاً، بل تفوقت عليها مشاهد كبار السن والمقعدين الذين احتفت القنوات المحلية بمشاركتهم في التصويت بمقاعدهم المتحركة، والذين تظهرهم صور ولقطات أخرى يسيرون بشكل طبيعي.
فجأة ظهرت مشاهد مراقبين أميركيين يشاركون فلاحين مصريين ومشرفين على الانتخابات الرقص بالعصا على موسيقى "الطبل البلدي" أمام مركز للتصويت بمحافظة المنوفية، وتُظهر مراقباً آخر يدخن "الشيشة"، وآخرين يتناولون "الفطير المشلتت" الذي تشتهر به المحافظة.

انتشرت اللقطات حول العالم، لتكون النموذج الأكثر تعبيراً عن هذه الكوميديا التي يسمونها "العرس الانتخابي".



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 23 مارس 2018

وردة عيد الأم





 قبل أسبوعين، فاجأتنا إحدى الزميلات بتوزيع باقات زهور جميلة على الزميلات في مكتبنا بمناسبة "يوم المرأة العالمي"، وقالت حينها، إنها "تعبير من المؤسسة عن الامتنان لهن في يومهن".
 كانت اللفتة لطيفة وتستحق الإشادة، إلا أنها أثارت بعضاً من الامتعاض المكتوم في نفوس الزملاء الرجال، أو بالأحرى معظمهم، لكن أحداً لم يعلن امتعاضه خشية تسليط سيف العداء للنساء المشهر عليه، وهو أمر شائع في كثير من المجتمعات والمؤسسات التي تدعو إلى التحرر والإنصاف، بينما هي في الواقع غير بريئة من التمييز.
 ليس للرجال يوم عالمي، وكذا لا يملكون حالياً انتقاد تمييز النساء بتخصيص أيام ومناسبات عالمية. الحجة الرائجة أن العالم تحكمه النظرة الذكورية، وأن الرجال تسلطوا على النساء على مدار التاريخ، وتلك المناسبات تم تدشينها لمنح النساء حقوقهن الضائعة والتي يُتهم الرجال عادةً بتضييعها.
ترددت همهمات الرجال مجدداً، وكشف بعضهم على استحياء الامتعاض الذي كتمه في يوم المرأة بإشارات وحركات مفادها: أهلا بحقوق النساء. لكن لا ضير في شيء من الاحتفاء بالرجال!
قبل يومين حلت مناسبة "عيد الأم"، وفاجأتنا زميلة أخرى بتوزيع نبتة صغيرة تحمل زهرة رقيقة مرفقة بكلمات ثناء على الزميلات العزيزات للمرة الثانية خلال الشهر نفسه.
  بعد دقائق عادت الزميلة نفسها، في مفاجأة ثالثة، لتوزع على الرجال، وهم الأغلبية في المكان، زهرة أنيقة مغلفة بشريط وردي. لم يفهم كثير من الزملاء الأمر، وظنوا أنه جاء رداً على همهماتهم وامتعاضهم من تكرار الاحتفاء بالمناسبات النسائية.
لا أشكك في أن الزميلة على حق، فالغالبية العظمى من الزملاء أحرص على شراء الخبز والحليب والبيض، وعقول الرجال تفضل شراء اللحوم دائماً على اقتناء الزهور، على الرغم من علم بعضهم أن عقول معظم النساء على العكس من ذلك تماماً.
لكن الزميلة لم تترك مجالاً طويلاً للتوقعات والاستنتاجات، وعاجلتنا بأن الوردة الجميلة ليست لنا، وإنما هي لزوجاتنا، فانفجرت الهمهمات التي كانت مكتومة، وسمعت بعض التعليقات على إشارتها المباشرة إلى واقع تجاهل غالبية الزملاء، أو عدم انتباههم في الأصل، لفكرة شراء الورود لزوجته.
  بعد مغادرة الزميلات المكتب مساء، بات حوار الرجال أكثر تحرراً كما جرت العادة يومياً، فقال أحدهم إن زوجته قد تتهمه بالجنون إن دخل المنزل ليلاً حاملاً وردة، وليس ما طلبته منه من مستلزمات، وقال آخر إن الوردة ربما تسهم في تحسين علاقته الحميمة بزوجته، فرد ثالث متهكماً: يبدو أن بعض الزملاء لن يحضر غداً بسبب وردة عيد الأم، لينفجر الجميع في ضحك طويل.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 17 مارس 2018

مفاتيح الجنة والنار



 مات ستيفن هوكينغ فانشغل بعض العرب بأنه كان ملحداً، وزاد بعضهم أنه سيدخل النار مع الكفار، متجاهلين ما في قصة حياته الطويلة القاسية من عبر وعظات تبرهن على قدرة الإنسان على تحدي المستحيل وتطويع المصاعب، وما قدمه للبشرية من نظريات علمية. البعض يناقش أو ينتقد نظرياته وأبحاثه وآراءه، والبعض يرفضها أو يعتبرها بلا قيمة، وهذا حق للجميع، فنظريات العلم ليست مقدسة، والعلماء مهمتهم التوصل إلى أدلة على النظريات القديمة، أو تصحيحها، أو إثبات أنها غير صحيحة. لاحقاً عرفنا أن المهندسة التي قادت فريق بحث لتنفيذ برنامج يجعل هوكينغ قادراً على التواصل مع الآخرين عن طريق الكلام، من أصول فلسطينية، وولدت في الكويت، ولما شاهد بعض المهووسين بالتحريم ومنح صكوك الإيمان صورتها مع العالم الراحل، هالهم كيف أنها لا ترتدي الحجاب، ووصل بعضهم إلى حد استنكار أنها اختلت بالرجل بينما الخلوة محرمة، فنالها نصيب من التكفير ومن تحريم دخول الجنة واعتبارها من أهل النار. لا يمكن على وجه التحديد معرفة الجهة التي منحت هؤلاء الأشخاص مفاتيح الجنة والنار، أو حق تصنيف من سيرفل في النعيم ومن سيصفد في الجحيم، ولا يمكن، دون دراسة سلوكية ونفسية معمقة، فهم منطق هؤلاء الذين يكررون نصوصاً دينية تحدد مواصفات الإيمان الواجب توافرها في الأشخاص، ووفقها يتهمون من لا تتوافر فيه بالكفر، خصوصاً أن بعضهم لا يفهم أغلب تلك النصوص على الوجه الصحيح، كما أن بعض النصوص غير دقيق، أو محرف، أو مدسوس. نفس هؤلاء الأشخاص، كمثال، يدعمون الأنظمة الفاسدة والحكام المستبدين اعتماداً على نصوص دينية مجتزأة تجعل الخروج على الأحكام من الكبائر، "وإن جلد ظهرك، وإن سلب مالك"، وأغلبهم لا يعرفون أن نص الحديث يبدأ بـ"يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس". هؤلاء أنفسهم يتجاهلون نصوصاً أخرى صريحة حول فضل "كلمة حق عند سلطان ظالم"، وتعيب على المؤمنين السكوت على الظلم وتعتبر من يفعل ذلك منهم "شيطانا أخرس". لا سبب واضحاً حتى الآن، غير الغباء أو ربما التغابي، للتركيز على إيمان العالم بدلاً من علمه، أو على شخصيته بدلاً من مهارته. لماذا لا يفكر هؤلاء الذين يزعمون أنهم يحتكرون الإيمان، ولو قليلاً، في أسباب تخلفهم عن التطور القائم حول العالم؟ ألا يعرفون النصوص الدينية التي تستنكر التخلف العلمي؟ أم يتعامون عن النصوص التي تدعو لإتقان العمل والاجتهاد لتحسين أوضاعهم ومنح أبنائهم وأحفادهم مستقبلاً أفضل؟ إنهم منشغلون فقط بمنح صكوك الجنة والنار.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية
حدث خطأ في هذه الأداة