الأربعاء، 23 أكتوبر 2013

فهمي هويدي يكتب: من سجلات «الشامخ»



منقول: الشروق

قرأت أن فلاحا فى صعيد مصر (قرية الأشراف بمحافظة قنا) ألقى القبض عليه بتهمة الإساءة إلى بعض رموز القوات المسلحة. لم تشر الصحف إلى اسم الفلاح ولا كيف كانت الاساءة التى أصبحت موضوعا للتعليق والتندر على المواقع الإلكترونية. لكن من الواضح ان الرجل كان معارضا وانه لم يلجأ إلى فعل، وانما عبر عن رأيه بصراحة لم تحتملها الأجهزة الأمنية فى الأجواء الراهنة فقررت احتجازه سواء لتأديبه وشد أذنه كما يقال، أو تمهيدا لتقديمه إلى محاكمة عسكرية بتهمة الإضرار بالقوات المسلحة.
وإذ أتمنى أن يقف الإجراء عند حدود لفت النظر، إلا ان القضية استدعت عندى شريطا طويلا من الحالات القريبة والمماثلة التى سبق ان تعرض لها الناقدون والمعارضون وكيف عبروا عن آرائهم، سواء بالمواجهة الصريحة، كما فعل صاحبنا الصعيدى، أو بالالتفاف والغمز غير المباشر الذى يوصل الرسالة ولا يكشف الغرض، لتجنب الاصطدام بالسلطة أو الوقوع تحت طائلة القانون.
سجلات المحاكم حافلة بذلك النوع من القضايا. ففى الخمسينيات، فى آخر العهد الملكى، كتب محمود السعدنى، أحد شيوخ الساخرين فى مصر، مقالة انتقد فيها بشدة وزير الدفاع آنذاك الفريق محمد حيدر باشا، وحين أراد ان يهون من شأنه ويزدريه به ذكر أن الخبراء العسكريين يعتبرونه من المع جنرالات الحرب فى العالم، الأمر الذى يضعه على قدم المساواة مع الكبار من أمثال جنرال الكتريك وجنرال موتورز (وهما شركتان أمريكيتان تخصصتا فى الصناعات الهندسية كالثلاجات والغسالات وخلافها). ذكر السعدنى القصة فى كتابه «أحلام العبد لله»، وقال ان الرجل اتهمه بإهانته والقذف فى حق القائد العام للقوات المسلحة، إلا أن المحكمة قضت ببراءته.
بيرم التونسى، شيخ الساخرين، كان أكثر مكرا وذكاء، إذ أشار السعدنى فى كتابه إلى انه سبقه إلى نشر مقالة فى صحيفة «المسلة» ــ التى عرفت نفسها بانها لا جريدة ولا مجلة ــ كان عنوانها «ملعون أبوالمحافظ». وذكر فيها ما يلى: بينما كنت أمشى فى شارع الأزهر (بالقاهرة) إذ احتك بى نشال ولهف المحفظة التى فى جيبى، فلما اكتشفت السرقة هتفت من أعماقى: ملعون أبوالمحافظ. والسبب اننى كنت قبل ذلك أضع النقود فى جيبى، ولكن أحد أصدقائى نصحنى باقتناء محفظة لحفظ النقود، فإذا بالنشال اللعين ينشل النقود والمحفظة، وهذا هو السبب الذى جعلنى أصرخ: ملعون أبوالمحافظ.
كان بيرم التونسى يكره محافظ القاهرة وأراد أن يحتال على سبِّه فى العنوان. إلا أن محكمة الجنايات برأته من تهمة السب لأن ظاهر كلامه ونصه لا يوحى بأنه يقصد محافظ العاصمة، ولكنه كان يسب المحافظ جمع محفظة التى سرقها النشال ومعه نقوده.
فى مرافعة فى إحدى قضايا الرأى أعدها المستشار سمير حافظ رئيس الاستئناف الأسبق، أورد نماذج أخرى لقضايا الرأى التى عرضت على محكمة النقض فى عشرينيات القرن الماضى منها ما يلى:
● فى عام 1924 نقضت المحكمة حكما أصدرته محكمة جنايات القاهرة بمعاقبة صحفى فى تهمة إهانة مجلس النواب والشيوخ لنشره مقالا نسب فيها إلى فريق الأغلبية فيهما انه يعبد الحكومة ولا يحب الوطن.. وانه جائع منحط ووظيفته هى التهام الوطن.. كما انه نسب إليه الجبن والكذب وعدم الفهم وقصر النظر، ونسب إلى رئيس مجلس النواب انه جاهل لا يدرى عمله ولا إرادة له. وقد برأت المحكمة الصحفى ونقضت حكم الإدانة. واستندت فى ذلك إلى عدم توافر القصد الجنائى للصحفى لأنه تحرى بما كتب مصلحة البلاد.
● فى عام 1926 تم نقض حكم لجنايات القاهرة أدان صحفيا فى تهمة إهانة رئيس الوزراء، لأنه نشر مقالات اتهمه فيها بالجهل وقصر النظر والبعد عن الفطنة، ونسب إلى أعضاء مجلس النواب الانحطاط والدناءة فى أخلاقهم والجشع. واستندت المحكمة فى تبرئة الصحفى إلى انه وان استعمل الشدة فى النقد إلا انه أراد ان يشهر بالأفعال وليس الأشخاص.
● فى عام 1928 نقضت المحكمة حكما بإدانة صحفى اتهم بإهانة وسب رئيس مجلس النواب وأحد الوزراء بأن نعته بأنه «هو وحماره يتراكبان، فمرة يكون إلى أعلى وأخرى إلى أسفل». وقد نفت المحكمة عن الصحفى سوء القصد، وبرأته استنادا إلى انه قصد منفعة البلاد وليس الإضرار بالأشخاص.
لقد كان الصحفيون والكتاب أكثر ظرفا وشجاعة حقا، لكن كان لدينا أيضا قضاء من نوع آخر يكاد ينقرض درجنا على وصفه بأنه شامخ، قبل ان تستهلك الكلمة وتبتذل.




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق