الجمعة، 17 نوفمبر، 2017

دماء أطفال درعا


 قصة بداية الثورة في سورية غريبة بالنظر إلى مقدار غرابة الأوضاع الحالية، خاصة لو كنت ملماً بالوضع المخابراتي السوري السائد عند قيامها، والذي يتعارض بالكلية مع الثقافة والإبداع المتجذر في إحدى أبرز حواضر العرب على مدار التاريخ. الرائج أن الثورة تفجرت من مدينة درعا التي كانت تعد أحد معاقل النظام، وكان القائد الأمني فيها ابن خالة بشار الأسد. بدأت القصة يوم إعلان تنحي حسني مبارك عن حكم مصر، باتصال هاتفي بين طبيبة سورية شابة من درعا، وصديقتها، قالت فيه: "مبارك تنحى عقبال عندنا". لم تكد تمر ساعتان فقط إلا وكان عناصر الأمن في منزل الطبيبة للقبض عليها بعدما سجلوا جملتها العفوية عبر نظام المراقبة الذي يشمل كل مناحي الحياة السورية. في المعتقل تم تعذيب الطبيبة والتنكيل بها، وأجبرت على تقبيل الأرض أمام صورة لبشار. بعد يومين توجه وفد من وجهاء درعا إلى الأمن طلباً للإفراج عن الطبيبة. في مكتب المسؤول الأمني قوبل الوجهاء بصلف، وإن تم قبول طلبهم بالإفراج عن الطبيبة. في يوم تال، قررت مجموعة من الأطفال، لا يتجاوز عمر أكبرهم الرابعة عشر، الانتقام للطبيبة، فانتشروا في الشوارع والأزقة يكتبون على الحيطان "الشعب يريد إسقاط النظام" و"ارحل ارحل يا بشار". قام مخبرون بالإبلاغ عن أسماء الأطفال، فقبض عليهم من مدارسهم ومنازلهم، واقتيدوا إلى مكان مجهول خضعوا فيه للتعذيب. مجدداً، توجه وفد الوجهاء إلى الأمن طالبين الإفراج عن الأطفال. لكن الرد هذه المرة كان أكثر قسوة، حيث رفض المسؤول الأمني إطلاق سراح الأطفال، وسب الوجهاء وأسقط عمامة أكبرهم وداسها بحذائه، ليخرج الرجال غاضبين، وينتشر الخبر. بعد ساعات، احتشد بضع مئات المتظاهرين في الشوارع، يتقدمهم أهالي الأطفال المحتجزين، وكانت مطالبهم إطلاق سراح الأطفال والاعتذار عن الإساءة للوجهاء. أطلقت قوات الأمن النار على المتظاهرين، فقتلت العشرات، فانتفضت درعا كلها في الشوارع. من درعا انتشرت مطالب الحرية في عموم البلاد، وصولاً إلى العاصمة دمشق، وفي المقابل فتكت قوات الأمن والجيش بالمئات ليسقط في الشهور الخمسة الأولى أكثر من ثلاثة آلاف قتيل. رغم هذه البداية العفوية للثورة، ورغم الإجرام غير المبرر في مواجهتها، ما زال بعضهم يكرر مقولات غبية منها، إنها كانت ممولة من الخارج، أو ليتها ما قامت. والنظر إلى مآلات الثورة لا يمكن معه تخيل قدرة النظام على وأدها بعد سنوات من محاولة إزالته التي كانت وشيكة لولا تدخل قوى إقليمية ودولية لإبقائه جالساً على كرسيه الملطخ بدماء السوريين.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الاثنين، 13 نوفمبر، 2017

محطات في حياة شادية: صوت مصر ونجمة الشباك الأولى





يضم رصيد النجمة المصرية شادية الفني نحو 700 أغنية، و118 فيلما، أولها "أزهار وأشواك" إخراج محمد عبد الجواد من إنتاج 1947. في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، أطلق على شادية لقب "نجمة الشباك الأولى"، اعتمادا على إيرادات أفلامها التي كانت تحقق أرقاما قياسية في صالات السينما مقارنة بغيرها من نجمات ذلك العصر. 

قبل تلك الفترة كانت الإيرادات تعتمد في الأغلب على أسماء الأبطال الرجال وليس البطلات، أو على البطولات المشتركة، لكن شادية غيرت الواقع السينمائي لتصبح الممثلات في سنوات لاحقة نجمات شباك يزاحمن النجوم الرجال، وكثيرا ما كان نقاد السينما في تسعينيات القرن الماضي يربطن الصراع المحتدم بين النجمتين نبيلة عبيد ونادية الجندي بالفنانة المعتزلة وقتها شادية. 

ويروي الناقد هشام لاشين في كتابه "شادية"، الصادر عن مهرجان القاهرة السينمائي سنة 1994، أنها كانت بمثابة الجواد الرابح لأي عمل تشارك فيه لدرجة أن اعتبر البعض أن تأشيرة النجاح لابد أن تأتي عبر شادية، كما فعل المطرب والمخرج اللبناني محمد سلمان عندما جاء إلى مصر، وكان جواز مروره للشهرة فيلمه معها "قدم الخير"، كما تكرر الأمر مع كارم محمود في "معلهش يا زهر" و"لسانك حصانك". وعندما تحول الملحن منير مراد للطرب وأراد دخول السينما، انطلق فوراً ليطلب من شادية مشاركته بطولة فيلميه "أنا وحبيبي" و"نهارك سعيد". 

وقال لاشين في الكتاب إنه "لم يشذ عن هذه القاعدة أحد، حتى عبد الحليم حافظ بكل جماهيريته في الغناء وقتها، حيث كانت بطاقة تعارفه السينمائية الأولى فيلماً مع شادية هو "لحن الوفاء"، وعندما ظهر المطرب كمال حسني ضمن تأشيرة النجاح من خلال شادية بمشاركتها فيلم "ربيع الحب" عام 1956، ووصل الأمر بنجم لامع مثل كمال الشناوي أن قدم معها أكثر من 30 فيلماً ليكونا بذلك أشهر ثنائي عرفته السينما العربية على مدار تاريخها". 

والشائع أن الشيخ متولي الشعراوي هو الذي طلب منها ألا تذهب لحضور التكريم الذي أعده لها مهرجان القاهرة السينمائي، قائلا لها "لا تعكري الماء الصافي"، لكن نقل عن ابن شقيقها خالد طاهر شاكر أن هذا لم يحدث، لكنه لم ينف أن الشعراوي كان وراء اعتزالها. 

ولا يعرف كثير من جمهور شادية عن مشاركتها في بطولة فيلم مصري ياباني تم تصوير أغلب أحداثه في القاهرة، وعرض لأول مرة مطلع سنة 1963، وهو فيلم "على ضفاف النيل"، للمخرج الياباني كونا كاهيرا. لكن لم يعرف ما الذي جعل المهرجان القومي للسينما يقرر في 2013 عرض فيلم "على ضفاف النيل" في حفل افتتاحه، مع احتفاء واسع ببطلته شادية ومنتجه المخرج الراحل حلمي رفلة. 

نسخة العرض لم تكن عظيمة، لكن الانبهار بمشاهدة الفيلم لأول مرة كان كافيا للتجاوز عن كثير من المشكلات، ربما كانت المرة الأولى التي تمتلئ فيها قاعة عرض لفيلم افتتاح المهرجان المحلي. 




بطل الفيلم الرئيسي هو الممثل الياباني إيشيهارا يوجيرو، ومعه مواطنته إيزومي إيشكاوا، لكن الفيلم يضم عددا كبيرا من الفنانين المصريين، بينهم إلى جانب شادية، كمال الشناوي وحسن يوسف ومحمود المليجي وصلاح نظمي ومحمود عزمي وزين العشماوي، والفنان وجدي العربي الذي كان وقتها طفلا. 

قصة الفيلم تم تفصيلها لتكون صالحة للتصوير في القاهرة، وتدور حول شاب متعدد العلاقات الغرامية يقرر والده الثري إرساله في جولة حول العالم ليتخلص من مشكلاته، لكنه يقع ضحية مشكلات أكبر بعد أن تتبدل حقيبة ملابسه في مطار بيروت بحقيبة أخرى تضم وثائق لها علاقة بخطة للثورة في إيران، وهي الواقعة التي تصل به إلى العاصمة المصرية التي يتعرف فيها على مطربة في أحد الملاهي الليلية تكشف له عن تفاصيل الأزمة التي أصبح طرفا فيها دون قصد، وتساعده على الخروج منها سالما. 

النسخة الوحيدة المتاحة لفيلم "على ضفاف النيل" على "يوتيوب" سيئة، وهي ناطقة باللغة اليابانية، والفنانون المصريون كانوا يتكلمون العربية، إلا أن أصواتهم تم دبلجتها إلى اليابانية، لكنها توفر مصدرا لمشاهدة الفيلم الذي لم يأخذ حقه من الشهرة، والذي يخلط كثيرون بينه وبين الفيلم الإنكليزي "جريمة على ضفاف النيل" من إخراج جون غويلرمن. 

في 1963، دخلت شادية في قطيعة طويلة مع موسيقار الأجيال محمد عبد الوهّاب، بسبب تصديها لحذف أغنية "بسبوسة" التي لحنها لفيلمها "زقاق المدق" لصالح أغنية "نو يا جوني نو" من ألحان محمد الموجي، بعد أن قرر المخرج حسن الإمام الاستغناء عن واحدة من الأغنيتين. كان رأي شادية أن حذف "بسبوسة" لا يضر بسياق الدراما بعكس الأغنية الثانية التي ترمز إلى سقوط البطلة في الخطيئة مع رواد الملهى الليلي من الجنود الإنكليز. 




لكن القصة الأكثر غموضا في مسيرة شادية تتعلق بقرارها الاعتزال وهي في أوج شهرتها، وبينما كانت بمسرحيتها الوحيدة "ريا وسكينة" تحقق إيرادات تفوق كل منافسيها، بمن فيهم نجم المرحلة عادل إمام، وهو الاعتزال الذي يربطه كثيرون بأغنية "خد بإيدي"، رغم أنها قدمت قبلها عددا من الأغنيات الدينية. 

في كتاب الصحافي سامي كمال الدين "سيرة شادية معبودة الجماهير"، تفاصيل عن قرار الاعتزال، والذي اتخذته عام 1986 بعد أزمة صحية قاسية، ومنه أن شادية "أعلنت أنها ستغني أغنية وطنية تقول كلماتها (علَّمينا يا مصر نسبَّح، لما عيونا تبص وتسرح، ونشوف صنعة رب القدرة في سماكي الزرقا ونخيلك، في النسمة الرايقة وفي نيلك) وكان عمر خيرت هو الذي سيلحن لها الأغنية". 

وسرد الكتاب تفاصيل عدد من أغنياتها الدينية: "أول أغنية دينية لشادية (قل ادعو الله) من تأليف زكي باشا الطويل، وتلحين ابنه الموسيقار كمال الطويل عام 1956 في فيلم (اشهدوا يا ناس) إخراج حسن الصيفي، وغنت عام 1971 (اللـهم اقبل دعايا) في المسلسل الإذاعى (نحن لا نزرع الشوك) لعبد الوهاب محمد وبليغ حمدي وإخراج محمد علوان" . 

وفي لقاء أجراه الصحافي المصري محمد تبارك مع الشيخ الراحل الشعراوي عن شادية، قال الشيخ الراحل إنه التقى بها أمام مصعد إحدى البنايات ولم يعرفها، فقالت له: أنا شادية، فرحب بها. فسأله الصحافي إنها اعتزلت الغناء بعد هذا اللقاء، فقال الشعراوي: "هذا يدل على أنها وجدت ارتقاء أسمى مما كانت فيه، وأن هناك نشوة ثانية أفضل من النشوة التي كانت تعيشها من قبل". 





يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 11 نوفمبر، 2017

حكاية شاب سلفي




 كنت عائداً من عملي، مساء أحد أيام النصف الثاني من شهر أغسطس/آب 2013، فاستوقفني في الشارع. هو عشريني طويل اللحية يعرف نفسه بأنه "السلفي". يملك ويدير متجراً صغيراً في الحي الذي أعيش فيه. كان زائع العينين. قال لي إنه نجا للتو من موت محقق في اعتداء على مسيرة كان مشاركاً فيها إلى ميدان رمسيس.
 حاولت أن أفهم كيف تحوّل إلى النقيض مما كان عليه سابقاً. كان يكره التظاهرات والمسيرات، ويكرر مقولات شيوخه حول طاعة الحاكم وإن جلد ظهرك وسلب مالك.
بعد تنحي مبارك بأيام استوقفني، وسألني باعتباري كنت ممن اعتصموا في ميدان التحرير: ما الذي يجري في البلد؟ فقلت: كان مبارك فاسداً مستبداً، وكان يجب إزاحته من الحكم، ويكفي ما كان يفعله "أمن الدولة" في عهده بمن هم مثلك من الملتحين؟ اكتفى بهز رأسه، فتذكرت قناعاته الراسخة حول تحريم الخروج على الحاكم.
 حكى لي أنه تجاهل الاستفتاء على الدستور، رغم أن معظم أقرانه السلفيين كانوا ناشطين في الدعوة للتصويت بنعم، وأنه لم يصوت في انتخابات البرلمان لأنه لم يكن مقتنعاً بفكرة الانتخابات ولا بالديمقراطية.
لكن الانقلاب على مرسي شهد التحول الأكبر في حياة الشاب الهادئ الذي لم يشارك في تظاهرة طوال حياته. كان يذهب إلى اعتصام ميدان نهضة مصر يومياً. فاجأني قوله إنه لا يصدق أن الأربعاء الدامي فاته، في إشارة إلى يوم فض الاعتصام.
وقال إنه في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية اتخذ قراره بعدم التصويت لأي من المرشحين. لكنه في الجولة الثانية التي تنافس فيها محمد مرسي وأحمد شفيق، قرر التحول من التجاهل إلى المشاركة الفعالة دعما للمرشح المتدين مثله، قال إنه ذهب إلى صندوق الانتخاب لأول مرة في حياته لينتخب مرسي. بعد فوز مرسي بالرئاسة انقطع الشاب السلفي عن كل ما يتعلق بالسياسة مجدداً، وإن كرر مرات عدة أن مرسي كان مخطئاً في عدم التصدي للمؤامرة التي تحاك ضده.
  لم أتخيل أن يتحول هذا الشاب السلفي الرقيق إلى شخص يتحكم فيه الغضب، حاولت أن أهدئ من روعه، لكنه كان يتمتم بكلمات غير محددة حول ضرورة الانتقام. قلت إن الانتقام لن ينهي الوضع القائم وإنما سيزيد المشكلة تعقيداً. فأشاح بوجهه عني. قلت: لماذا لا تعود إلى سيرتك الأولى وتتجاهل السياسة. فرد: لست معنياً بالسياسة، وإنما بالقصاص لأصدقائي. قلت إن ما تقوله ليس صواباً وفق أصول الدين ولا وفق علوم السياسة.
تركته على وعد بأن نلتقي مجدداً لنستكمل نقاشنا، وطلبت منه أن يعود إلى بيته ليستريح، لكننا لم نلتق مجدداً. علمت بعدها أنه اعتقل في محيط مسجد الفتح في ميدان رمسيس.




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الثلاثاء، 7 نوفمبر، 2017

لن أنتخب خالد علي مجددا





مطلع عام 2012، قرر المحامي الشاب خالد علي ترشيح نفسه لرئاسة مصر في مواجهة مرشحين كان هو أصغرهم سناً، ولما كان خالد ابن جيلي، وشريك ميدان، ومعبر عن أحلامنا في تمكين الشباب والتخلص من حكم "العواجيز"، الذي جثم على صدر بلادنا لعقود، قررت مع عدد من أصدقائي التصويت له في الانتخابات.
وقتها كانت الغالبية العظمى من الأصدقاء والزملاء منقسمة بين مرشحين آخرين؛ هما عبد المنعم أبو الفتوح وحمدين صباحي.
وقتها لم يكن الخلاف السياسي يفرق الأصدقاء، كنا نجلس في مقاهي وسط القاهرة لنتناقش ونتجادل، كل منا يروج لمرشحه ويظهر عيوب المرشح المنافس الذي انحاز له صديق من بين الحضور، كانت أزهى عصور الديمقراطية بحق، رغم أننا كنا نسخر من المصطلح الذي تم إطلاقه زورًا وبهتانًا على العقد الأخير من حكم حسني مبارك.
في جلسة جمعتني برفاق التحرير، قررنا التخلص من الانحيازات والحديث بشكل منطقي، أذكر أن أحدهم واجهني بأن فرص خالد علي محدودة للغاية، وأن ترشحه يساهم في تفتيت الأصوات التي يمكنها أن تسهم في نجاح مرشح آخر من مرشحي الثورة، في مواجهة مرشح الإخوان ومرشح الجيش.

وقتها قلت للأصدقاء صراحة إن قناعتي أن أياً من المرشحين لا يملك فرصة، وأن مرشح "الإخوان" ومرشح الجيش/الشرطة، هما الأوفر حظاً، فرد أحد الحضور: ولماذا نجهد أنفسنا إذاً في دعم هؤلاء؟ أليس الأولى أن نختار أحد المرشحين الأوفر حظاً؟ فرد أحدهم: وهل توافق على أي من المرشحين الأوفر حظاً؟
ساد صمت قررت قطعه بهجوم مباغت على مرشحيهم، فقلت إن أبو الفتوح كمرشح لا فارق بينه وبين محمد مرسي وحازم صلاح أبو إسماعيل كمرشحين إسلاميين، وإن حمدين كناصري لا يفرق عندي كثيراً عن عمر سليمان وأحمد شفيق كمرشحين عسكريين.
لم يعجب كلامي الأصدقاء، وتوترت الجلسة التي كانت لطيفة، فقرر أحدهم أن يشن هجوماً مضاداً، وقال إن انحيازي لخالد علي أقرب إلى مقاطعة الانتخابات. قفزت الفكرة إلى ذهني فجأة، فقلت: أظن أنك على حق، هي مقاطعة ايجابية للانتخابات التي لا أتوقع أن تكون ديمقراطية تحت حكم عسكري قمعي.
حصل خالد علي على 124 ألف صوت في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، والتي انتهت إلى جولة إعادة بين مرشح الإخوان مرسي ومرشح العسكر شفيق، كان صوتي أحد الأصوات القليلة التي حصل عليها مرشح الشباب، وكنت فخوراً بأن حملته محدودة الموارد التي لا تحظى بأي دعم من أي فصيل في نظام الحكم استطاعت الحصول على هذا العدد من الأصوات الذي اعتبره كثيرون هزيلاً.
بعد الجولة الأولى عدت وأصدقائي إلى المربع الأول، إلى أي فريق سننحاز، فريق الإخوان أم فريق العسكر؟
عندها دبت بيننا خلافات واسعة، فريق أصر على ضرورة مقاطعة التصويت، وفريق أصر على تأييد أي شخص غير مرشح الإخوان، وفريق ثالث كنت ضمنه، أصر على تأييد أي شخص غير مرشح العسكر.
في الشهر التالي، كنت أحد من يهاجمون المرشح أحمد شفيق ليل نهار، لكنني لم أكن داعماً لمرسي كمرشح، لم أكن مقتنعاً بأي منهما، لكن الإخوان كانوا وما زالوا عندي أفضل من العسكر.
يوم التصويت، ذهبت إلى لجنة الانتخابات فوجدت العاملين في اللجنة يدفعون الناس دفعاً إلى التصويت لشفيق تحت سمع وبصر الشرطة والقضاة المشرفين على العملية الانتخابية، حتى إنني اختلقت أزمة مع أحدهم وهددته بفضحه إن لم يتوقف عن توجيه الناخبين.
عندما ذهبت إلى الصندوق للإدلاء بصوتي، أصابتني الحيرة، فأنا ضد شفيق قلباً وقالباً، لكني لست مقتنعاً بمرسي أيضاً. حملت ورقة التصويت وعدت أدراجي دون أن أدلي بصوتي، لتظل عملية تصويتي لخالد علي هي المرة الوحيدة التي أدلي فيها بصوتي في أي انتخابات مصرية.
في انتخابات ترشح السيسي للرئاسة، قاطع كل المرشحين السابقين المهزلة، إلا حمدين صباحي الذي استحق لقب "الكومبارس"، وقال خالد عنها إنها ليست انتخابات وإنما "مسرحية هزلية". كان هذا رأيي أيضاً. لكن عدداً من الأصدقاء عاشوا أوهام فوز حمدين في مواجهة العسكر والشرطة والثورة المضادة والنظام القديم.
خسر حمدين خسارة مدوية، لم يحصل حتى على نصف مليون صوت، في مقابل ملايين السيسي، وتفاخر السيسي بأنه خاض انتخابات ديمقراطية في مواجهة مرشح معروف سبق له خوض السباق، وبات حمدين محللاً صورياً لرئاسة السيسي.
قرر خالد علي الترشح للانتخابات الرئاسية 2018 في مواجهة السيسي، ولست أعلم ما الذي تغير في "المسرحية الهزلية" حتى يشارك فيها، أزعم أن الهزل زاد خلال السنوات الأربع التي حكم السيسي فيها البلاد بعد الانقلاب على كل مكتسبات الثورة، وأن خالد سيكون "الكومبارس" الجديد الذي يحلل الفترة الثانية من رئاسة السيسي بعد حمدين.
لهذا لن أنتخب المحلل الكومبارس.






يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 4 نوفمبر، 2017

اليونسكو والصحافيون ومشيرة



 احتفلت منظمة اليونسكو الخميس الماضي بـ"اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين"، بعد ثلاثة أسابيع فقط على إجراء انتخابات اختيار الأمين العام للمنظمة الأممية، وهي الانتخابات التي شهدت صراعاً عربياً محتدماً بين المصرية مشيرة خطاب والقطري حمد الكواري، لتنتهي بفوز الفرنسية من أصول مغربية أودري أزولاي. تقول اليونسكو إن 90 في المائة من حالات قتل الصحافيين حول العالم تمر من دون عقاب، وترصد مقتل 930 صحافياً في الفترة بين عامي 2006 و2016، في عام 2016 فقط، قتل منة وصحافيان. ووفقاً لتقرير المنظمة "الاتجاهات العالمية في مجال حرية التعبير وتنمية وسائل الإعلام"، فإن 94 في المائة من الصحافيين الذين قتلوا عام 2016، هم صحافيون يغطون أحداثاً محلية، ونصف حالات القتل وقعت في بلدان ليس فيها نزاعات مسلحة، وإنسبة الضحايا من الصحافيات ارتفعت من 5 في المائة عام 2006، إلى 10 في المائة عام 2016. في مصر التي خسرت مرشحتها لليونسكو، يعيش الصحافيون أوضاعاً مأساوية، حسب قول مقرر الأمم المتحدة المعني بتعزيز وحماية حق حرية الرأي والتعبير، ديفيد كاي، قبل أسبوع في نيويورك. وطالب كاي، السلطات المصرية بالتوقف فوراً عن ملاحقة الإعلاميين، معتبراً أن "أوضاع الصحافة والإعلام أيام حسني مبارك، كانت أفضل كثيراً مما هي عليه الآن. لقد بات الوضع مرعباً ومخيفاً في مصر. إنهم لا يلاحقون المعارضين فقط، وإنما أيضا أي صاحب رأي مختلف". ووثق تقرير للمرصد العربي لحرية الإعلام اعتقال 94 صحافياً في مصر، بينهم المصور الصحافي محمود أبوزيد "شوكان" الحاصل على جائزة اليونسكو لحرية الصحافة. جلست أتخيل أن المرشحة المصرية فازت بمقعد رئاسة اليونسكو، وكيف كانت ستتعامل مع حملة المنظمة الأممية تلك، بينما تضع التقارير الحقوقية الدولية مصر، جنباً إلى جنب مع الصين وسورية والعراق، على رأس قوائم انتهاك حقوق الصحافيين. تقول سفيرة اليونسكو للنوايا الحسنة لحرية التعبير وسلامة الصحافيين، كريستيان آمانبور، إن "الأخبار مليئة بتقارير عن زملائنا الذين يقتلون ويصابون ويسجنون في جميع أنحاء العالم، ويجب علينا كوسائل إعلام الاستمرار في القتال من أجل إنهاء الإفلات من العقاب". تخيلت مجدداً آمانبور تستضيف خطاب (كمديرة لليونسكو) في برنامجها التليفزيوني الشهير، وبينما مشيرة تتحدث عن آليات حماية الصحافيين من القتل والاعتقال والتضييق، تسألها المذيعة عن موقفها المخزي من إغلاق عشرات المكتبات المصرية قبل شهور قليلة على انتخابات المنظمة. قدّر الله ولطف.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 3 نوفمبر، 2017

قصة جماعة "أنصار الإسلام" التي تبنت مجزرة #الواحات




جروب الجماعة اللي اسمها "حراس الشريعة مصر الكنانة" اللي أعلنت النهاردة تبني مجزرة #الواحات اتفتح على "تليجرام" في 19 أكتوبر. والمجزرة كانت ليلة 20- 21 أكتوبر.


كل البوستات في الجروب قبل المجزرة تؤكد أن الجماعة تابعة لتنظيم القاعدة، بينها فيديوهات لأيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة وأبو قتادة، وفيها احتفاء بعمليات جماعة الشباب في الصومال وغيرها.
وقت الكشف عن عملية الواحات. كان الجروب ينقل عن وسائل الإعلام مثله مثل كل الأشخاص العاديين، ولم ينشر أي معلومة خاصة او تفاصيل غير منشورة في وسائل الإعلام.


في اليوم التالي 21 كان ينشر أيضا أخبارا متداولة وفيديوهات التسريبات التي نشرتها قنوات ومواقع إخبارية.


مساء يوم 21 أكتوبر. نشر بوست يبارك فيه العملية بعد أن نشر نقلا عن مواقع إخبارية أسماء أفراد الشرطة المقتولين فيها.
على مدار الأيام اللاحقة تفرغ لنشر أخبار منقولة من وسائل الإعلام. ولنشر مبادرة "الصلح بين المجاهدين"، والدعاية لعمليات الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة حول العالم.




يوم 26 أكتوبر نشر بوست منقول حول النقيب محمد الحايس يتحدث عن التضارب في تصريحات الداخلية حول خطفه أو مقتله.
يوم 28 أكتوبر نشروا بوستات عن إقالة محمود حجازي من رئاسة الأركان وتعيين محمد فريد حجازي. ثم إقالة مدير الأمن الوطني ومدير أمن الجيزة. دون أدنى ذكر لعملية الواحات. رغم أن كثيرين ربطوا القرارات بالعملية.


الجمعة 3 نوفمبر. نشروا بيان جماعة تسمى "أنصار الإسلام" لم يذكروها سابقا في الجروب، وحتى في نشر البيان لم يذكروا ما الصلة التي تربطهم بها.
وجاء في البيان أن تلك الجماعة منفذة عملية الواحات. وأنها أسرت عددا من عناصر الشرطة ثم أطلقت سراحهم. وأن النقيب الحايس استسلم لها طوعا. ورغم أنهم أطلقوا سراح زملاءه إلا أنه ظل محتجزا لديهم بلا سبب واضح. وأنهم خسروا في العملية عنصرا واحدا. وأن الطيران الحربي شن هجوما عليهم لتحرير الحايس الذي لا نعلم سبب احتجازه لديهم. وأن الهجوم راح ضحيته أحد قادتهم ويدعى أبو حاتم وعدد من أفراد فرقته.



القصة كلها على بعضها كدا غريبة ومريبة جدا


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 28 أكتوبر، 2017

من حكايات المغفلين




 المُغَفَّلُ في "لسان العرب" هو الشخص الذي لا يملك الفطنة لمعرفة الحق من الباطل والصالح من الطالح والمنفعة من المضرة، وليس من التجني القول إن كثيراً من البشر هم "مغفلون"، والواقع أن هذا لا يتأثر في كثير من الأحوال بمستوى التعليم أو الوعي.
لما اشتعلت ثورة يناير في مصر، كان أغلب المشاركين فيها مغفلين لدرجة تصديق أنهم هزموا ما يطلق عليه "الدولة العميقة" في ثمانية عشر يوماً، وكان معارضوها أكثر غفلة لأنهم قاوموها رغم أنها كانت المخرج الوحيد لمشكلات تقبع فيها البلاد، ليكتشف الطرفان لاحقاً أن سذاجتهما انتهت بهما إلى السقوط في فخ الثورة المضادة. ولما اشتعلت الثورة في سورية واليمن وليبيا، كان المشاركون فيها مغفلين لدرجة تصديق أن الأنظمة الحاكمة، والأنظمة الداعمة لها إقليمياً وخارجياً، ستسمح لهم بتكرار السيناريو الذي جرى في تونس ومصر، على اختلاف المآلات في البلدين، ليكتشفوا لاحقاً أن سذاجتهم تلك انتهت بهم جميعاً إلى الحرب الأهلية التي لا زالت مستعرة.
ظل الغرب يروج لعقود أن النظام الحاكم في السعودية نموذج لكل ما يجب على دول الشرق الأوسط أن تتجنبه بسبب حكم الفرد ونشر التشدّد وغياب الحريات، وإن ظل كل هؤلاء المنتقدين مستفيدين من مشروعات يمكن اعتبارها رشاوى مقنعة. لكن الأغرب هو الشعب الذي ظل عقوداً يكرر الخطاب الرسمي المناهض للحريات والمتشح بمزاعم اتّباع تعاليم الدين، ثم لما قرر النظام شكلياً مجاراة النسق الغربي في بعض الأمور تحوّل الناس إلى تكرار الخطاب الجديد دون وعي.
يظن البعض أن الغفلة، التي يسميها البعض سذاجة، مرتبطة بغياب الوعي في الدول المذكورة، لكن السنوات الأخيرة كشفت لنا أن كل الشعوب في أنحاء العالم تعاني درجات من السذاجة تسمح للأنظمة الحاكمة بالتلاعب في مقدراتها. ظل الغرب يروج لسنوات أن نموذج الحكم القائم في كردستان العراق هو الأمثل في الشرق الأوسط، وأن على بقية دول المنطقة أن تحذو حذوه، فلما قرر إقليم كردستان ممارسة الديمقراطية للمطالبة بالاستقلال أدار العالم ظهره للأكراد واصطف مع الحكومة المركزية الفاشلة في بغداد. حتى في قلب أوروبا المتقدمة، أكدت وقائع استفتاء انفصال إقليم كتالونيا عن إسبانيا أن الشعب يتمتع بالسذاجة نفسها التي يتمتع بها أقرانه في الشرق الأوسط، وأنه يمكن أن نطلق عليهم وصف مغفلين.
لسنا وحدنا مغفلين إذن، فغالبية الشعب الأميركي مثلاً لم تكن تعرف أين يقع العراق لما بدأت حرب الخليج الأولى.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 21 أكتوبر، 2017

مصر العجيبة



يتفاخر الإعلام المصري بقدرة الجيش والشرطة على إحباط هجوم إرهابي في سيناء، وفي اليوم التالي تقع عدة هجمات على معسكرات وحواجز أمنية في عدة مدن بسيناء؛ تنتهي إلى مقتل 17 مصرياً بينهم 15 عسكرياً، وسرقة فرع أكبر البنوك المصرية في العريش.

 تذكرني تلك المأساة بكل الهراء المتكرر في الإعلام المصري عن قدرات جيشنا الخارقة وتدريبه المتطور، وصولاً إلى أسر عناصره قائد الأسطول الأميركي السادس، وفق أحد الإعلاميين، ثم قول قائد عسكري كبير فور تعيينه مسؤولاً عن تأمين سيناء قبل أكثر من عامين، إنه سيسلمها للمصريين "متوضية".
 باتت الأوضاع في مصر عجيبة، يكررون يومياً أن البلاد باتت في أحسن حال وأنها استعادت قدراتها الاقتصادية، بينما هي في الواقع "تشحت من طوب الأرض"، ولا تستطيع أن تعيش دون المعونات أو تستغني عن الديون، حتى أن من يدير هذا الفشل المقيم نفسه يعتبرها "شبه دولة" أو "وطن ضائع".
احتفى المجلس العسكري الذي كان السيسي أحد أعضائه، بثورة يناير في عدد كبير من بياناته الرسمية، واعترف دستور ما بعد الانقلاب بأنها ثورة، لكن أذرع النظام تواصل تكرار نغمة أنها "مؤامرة أميركية صهيونية إيرانية تركية قطرية".
يتحدثون عن تدفق السياح والاستثمارات، بينما الفنادق خاوية على عروشها، ورجال الأعمال المصريون ينقلون ثرواتهم إلى الخارج أو يتخلصون من مشروعاتهم في الداخل، والمعتقلات مكتظة بأصحاب الرأي من كل التيارات، ومنظمات أممية ودولية تهاجم "النظام القمعي الفاشي".
  قتل الجنود أمام مبنى التلفزيون "ماسبيرو" المتظاهرين المسيحيين، فطالب التلفزيون الشعب بضرورة التصدي لهم وحماية الجيش، ثم تحالف المسيحيون مع الجيش الذي سبق له قتلهم للإطاحة بالإسلاميين. كان الإعلام المصري يعزف نغمة واحدة وضعها عسكري جاهل، مليئة بنشاز منفر متكرر، لكن الأمر تطور كثيراً حتى أصبحنا "مسخرة"، وبات يضرب المثل بإعلام مصر الذي كان رائداً، باعتباره نموذجاً للهراء والكذب والتحولات.
وعندما تفشل كل المحاولات لتجميل الصورة القبيحة المفضوحة، يعودون مجدداً إلى تكرار المقولة العبثية "أحسن من سورية والعراق".
مازالوا يتحدثون عن القرار المستقل، و"كسرنا مناخير أوباما"، و"منيمين أميركا من المغرب"، وأن إسرائيل "تحسب لنا مليون حساب". بينما ترامب يفعل في مصر ما يشاء متى يشاء، والعلاقة مع إسرائيل "سلام دافئ"، ويعتبر الإعلام العبري السيسي "بطلا" بعدما انتهى من تهجير أهل سيناء من منازلهم، وإفراغ الشريط الحدودي من سكانه الذين يعتبرون خط الدفاع الأول، من أجل حماية أمن إسرائيل.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 13 أكتوبر، 2017

شأن داخلي


 جلسنا نحكي لساعة عن الشأن العربي، وتداعيات الصراعات، ونظريات المؤامرة، والتدخلات الخارجية في كل الشؤون العربية، وعن الروهينغا، وانفصال كتالونيا، وانفصال كردستان، وعن ترامب وميركل وتيريزا ماي. تطرقنا إلى كثير من الموضوعات، وتبادلنا العديد من الآراء التي لم تخل من اختلافات.

 في خضم الحديث طرحت وجهة نظري عن ما يجري في بلاده، فامتقع وبدا الغضب على قسمات وجهه. فجأة تحول حوارنا الهادئ المتزن، وقدرتنا على تبادل الرأي، إلى رفض كامل من جانبه لأي طرح أو رأي من جانبي، ثم عاجلني بأنه يرفض انتقاداتي، وأنه يعتبرها تدخلاً غير مقبول في شأن داخلي. حاولت أن أتجاوز غضبه من توجيه الانتقادات لسياسات بلاده، وبعضها انتقادات محقة، وقررت تحويل مسار الحديث من التركيز على تلك الانتقادات إلى هذا الذي سماه "الشأن الداخلي".
هذا المصطلح الذي بات البعض يستخدمونه لإنهاء أي حوار أو قمع أي نقاش، خصوصاً في فترات اشتعال الخلافات بين حكام البلاد، والتي باتت الشعوب طرفاً فيها، أو وقوداً لها، رغماً عنها. قلت إننا تحدثنا طويلاً عن بلدي، وإنني لم أغضب أو أنزعج من انتقاداته، وإن آلاف العرب يتحدثون عن مصر وأحداث مصر يومياً، وعادة ما أسمع منهم حكايات ونظريات وتحليلات لا علاقة لها بالواقع، ثم يكرر أغلبهم أن "مصر أم الدنيا"، وأنه من حق كل العرب الاهتمام بالشأن المصري لأن له تأثير مباشر على كل الشؤون العربية.
عاد صديقي مجدداً إلى هدوئه بعد أن كان يهم بالمغادرة غاضباً، وقال إن بعض المصريين أيضاً، يرفضون أن يتحدث الآخرون في شؤون بلادهم بزعم أنها شأن داخلي، وإنه يدرك أنه لا يفترض بنا (أنا وهو) أن ننساق خلف هذا النوع من المزايدات باعتبار أننا مهتمان بالشأن العربي. اتفقنا على أن هذا الذي يسمى "الشأن الداخلي" ليس إلا لعبة يستخدمها البعض للهروب من النقاش، أو إخفاء حقائق تسيء إلى بلده أو مواطنيه، وأن حدة النقد أحياناً تثير داخل الأشخاص نوعاً من العصبية القبلية، حتى لو كانوا ممن يفترض بهم محاربة هذا السلوك المعيب.
وقال صديقي إن الكثير من العرب يخشون الحديث عما يجري في بلادهم، حتى لا يتعرض، أو عائلته، لغضب الحاكم أو الطائفة أو الحزب، حتى لو أنه يعيش خارج البلد. قلت إنني أتفهم هذا جيداً، لكنني لم ولن أتفهم أن يتسبب هؤلاء المتعصبون في منع الآخرين من مجرد توجيه انتقادات لأحوال أو سياسات يدركون أنها ظالمة أو ذات تأثير سلبي.
أكملنا جلستنا بالحديث عن المتأهلين إلى كأس العالم لكرة القدم في موسكو، رغم أنه يعرف أنني لست من هواة مشاهدة مباريات الكرة.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 7 أكتوبر، 2017

أجيال الشك


محمد الشاهد/ فرانس برس



حلت أمس ذكرى آخر حرب بين الجيوش العربية والاحتلال الإسرائيلي عام 1973، والتي كان هدفها تحرير شبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية ومناطق عربية أخرى، وكان البعض يعتقد أن بإمكانها إنهاء احتلال فلسطين.

ورغم مرور 44 سنة كاملة على تلك الحرب، إلا أن الكثير من أسرارها لم يظهر بعد، وإن كنا عرفنا خلال تلك السنوات تفاصيل غير كاملة عن بعض ما جرى في المعركة التي استمرت ستة أيام متتالية، والمفاوضات والاتفاقيات التي جرت في السنوات التي تلتها، والتي انتهت بمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل الموقعة عام 1979.

درست قبل أكثر من عشرين سنة موضوعاً عن حرب أكتوبر/ تشرين الأول في كتاب التاريخ. كان أبي واحداً ممن شاركوا في الحرب، لكن الكثير من وقائعها ظلت غامضة. كل ما درسناه ركز على النصر المجيد للجيش، والشجاعة غير المسبوقة للجنود، واستعادة الكرامة والهيبة بعد الهزيمة في حرب 1967، والتي يصطلح على تسميتها بـ"النكسة".

وبقدر المعلومات المحدودة المبهمة في كتاب التاريخ عن الحرب وما جرى فيها، كانت صورة الحرب بالنسبة لجيلي وأجيال لاحقة هي تلك الماثلة في عدد محدود من الأفلام السينمائية التي أنتجت بعد الحرب، وكان شغلها الشاغل تجميل الأحداث أو اللعب على عواطف الشعب الممنوع عليه معرفة الواقع.

بمرور السنوات، تمكنت من قراءة مصادر متعددة ومتباينة حول وقائع الحرب، بعضها مصري، وبعضها أجنبي، ووثائق كان يتم كشفها سنوياً من جانب العدو، أو من جانب الولايات المتحدة التي كانت داعمة للعدو، ثم راعياً لعملية السلام، ولاحقاً أصبحت مقتنعاً بأن جزءاً كبيراً من المعلومات القليلة التي قيلت لنا عن تلك الفترة وما تلاها، كان كاذباً أو مزوراً، أو غير جدير بالثقة.

بعد مرور أكثر من أربعين سنة على آخر حرب عربية إسرائيلية حقيقية، أصبحت قناعتي أن مصر ربحت معركة عبور قناة السويس إلى شبه جزيرة سيناء، لكنها خسرت حرب تحرير سيناء، فباتت مضطرة لتقديم تنازلات مجحفة للعدو لاستعادة الأرض بالسلام المزعوم، وأن سورية خسرت المعركة والحرب معاً، وظلّ الجولان محتلاً حتى اليوم.

تغضب تلك القناعات هؤلاء الذين أسميهم "دولجية"، وهم السائرون في فلك النظام الحاكم أياً كانت أفعاله، هؤلاء يتهموننا بأننا "‫أجيال الشك".

لم نعد ننكر تلك التهمة، لأنها ليست تهمة بالأساس، ‫فالواقع أن العيب ليس فينا كأجيال ولدت بعد الحرب، وإنما في تعمد النظام مزج التاريخ والوقائع بالكذب والتزوير، وهذا لم يعد ينطلي علينا بسبب الروايات المتهافتة المتضاربة، وقدرتنا على الوصول إلى معلومات أكثر منطقية وتحديداً.





يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

تسع جوائز نوبل للعرب من 585 جائزة... خمس منها للسلام





على مدار 116 عاما، هي عمر جوائز نوبل التي تمنحها الأكاديمية الملكية السويدية في ستة مجالات، وبين 585 جائزة فاز بها أشخاص ومؤسسات حتى الآن، حاز العرب تسع جوائز فقط، نالها ثمانية أشخاص بينهم سيدة واحدة، وجائزة واحدة مشتركة لأربعة مؤسسات عربية.

ويعتبر عدد العرب الفائزين بجوائز نوبل هزيلا مقارنة بعدد سكان الدول العربية والثروات المتراكمة في عدد من تلك البلاد، كما أن خمساً من الجوائز العربية التسع هي "نوبل للسلام"، ما يؤشر إلى أن الإنجاز العربي في المجال العلمي والأدبي وفق الأكاديمية الملكية السويدية محدود للغاية.

عرف العرب جوائز نوبل لأول مرة عام 1978، حين منحت جائزة نوبل للسلام إلى الرئيس المصري الراحل أنور السادات (1918- 1981) مناصفة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغين، على إثر توقيع معاهدة السلام في كامب ديفيد، ليكون السادات أول عربي مسلم ينال الجائزة.

في سنة 1994، منح الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (1929- 2004) جائزة نوبل للسلام أيضا، واقتسم الجائزة مع وزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز، ورئيس الوزراء إسحق رابين، على خلفية توقيع "معاهدة أوسلو" سنة 1993، و"لما بذلوه من جهود لتحقيق السلام في الشرق الأوسط"، بحسب لجنة الجائزة.

ثالث جوائز نوبل للسلام التي حازها العرب منحت في 2005 للمصري محمد البرادعي (1942) مناصفة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي كان يديرها في ذلك الوقت، "اعترافا بالجهود المبذولة من جانبهما لاحتواء انتشار الأسلحة النووية في العالم".

في عام 2011، اقتسمت الناشطة اليمنية توكل كرمان (1979) جائزة نوبل للسلام مع الرئيسة الليبيرية إلين جونسون سيرليف، والناشطة الليبيرية ليما غوبوي، وبهذه الجائزة أصبحت كرمان أول امرأة عربية تحصل على جائزة نوبل.

وفي 2015، اقتسمت أربع منظمات تونسية جائزة نوبل للسلام العربية الخامسة، "لمساهمتها في إنجاح مسار الانتقال الديمقراطي في تونس، والخروج بالبلاد من الأزمة السياسية، إلى جانب جعل تونس دولة الربيع العربي الوحيدة التي نجح مسارها".





يعتقد كثيرون أن العالم المصري الراحل أحمد زويل (1946- 2016) هو العربي الأهم الحائز على جوائز نوبل، باعتباره حصل على جائزة نوبل في الكيمياء سنة 1999 عن أبحاثه في مجال الفيمتو ثانية، بخلاف السياسيين والناشطين الحائزين على جوائز نوبل للسلام.

وهناك عالمان عربيان آخران حازا جوائز نوبل العلمية، أولهما البريطاني من أصل لبناني، بيتر مدور (1915-1987)، والذي حاز جائزة نوبل في الطب عام 1960، مناصفة مع الأسترالي السير فرانك بورنت، لاكتشافهما "التحمل المناعي المكتسب"، وهو العربي الوحيد الحاصل على نوبل في الطب حتى الآن.

كما حاز العالم الأميركي من أصل لبناني، إلياس جيمس خوري (1928)، على جائزة نوبل في الكيمياء سنة 1990، عن أبحاثه في تطويره نظرية ومنهجية التركيب العضوي.
ويحتج البعض بأن العالمين مدور وخوري، هما بريطاني وأميركي على الترتيب، وليسا لبنانيين إلا بحسب أصول عائلتيهما، لكن الواقع أن أحمد زويل حين حاز جائزة نوبل كان يحمل الجنسية الأميركية أيضا.

الجائزة التاسعة التي نالها العرب، كانت نوبل في الأدب، والتي حازها الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ(1911- 2006)، سنة 1988، باعتباره "يقدم أدبا واقعيا"، وهو العربي الوحيد الذي حاز الجائزة حتى الآن.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 29 سبتمبر، 2017

على هامش تحرير المرأة


ذكرني قرار منح السعوديات، أخيراً، الحق في الحصول على رخصة قيادة بعد صراع طويل مع المجتمع والسلطة الدينية الخاضعة لأهواء الحكومة، بالعديد من القصص التي تختزنها ذاكرتي حول قضية تحرير النساء.
يكرر كثير من العرب، أن المفكر المصري الراحل قاسم أمين (1863- 1908) هو رائد "تحرير المرأة" استناداً إلى كتابه الذي حمل هذا العنوان عام 1899، والذي أتبعه بكتاب "المرأة الجديدة" عام 1900.
لكن كثيرين لا يعلمون أن قاسم أمين كان على عكس كل ذلك قبلها بسنوات قليلة، فقد بدأت علاقته الجدية بقضية النساء بعد أن قرأ كتاباً نشره الدوق الفرنسي "داراكور" عام 1893، بعنوان "مصر والمصريون"، وانتقد فيه الدوق الإسلام وسلوكيات المصريين، فقرر العمل على إصدار كتاب للرد، وهو كتاب صدر بالفرنسية في العام التالي بعنوان "المصريون"، وفيه دافع أمين بقوة عن تعدد الزوجات، وهاجم تحرر المرأة الأوروبية، والاختلاط بين الجنسين في الدراسة وأماكن العمل، ثم واصل كتابة مقالات في نفس السياق لنحو ثلاث سنوات في جريدة "المؤيد"، كان يطالب فيها بالتزام المرأة بيتها وعدم خوضها في الحياة العامة.
وتحول قاسم أمين إلى النقيض بعد أن بات أحد رواد الصالون الثقافي للأميرة نازلي فاضل، التي أزعجتها آراءه المقيدة لحريات المرأة، المحدودة أصلاً وقتها.
هناك رواية أخرى تنسب تحوله من النقيض إلى النقيض إلى تردده على الشيخ جمال الدين الأفغاني مع آخرين، الأهم أنه نشر لاحقاً كتابيه الشهيرين عن حرية النساء، وتحوّل إلى رائد تحرير المرأة، ونسي كثيرون كتابه "المصريون".
لا تغيب رائدة مصرية أخرى، هي هدى شعراوي (1879- 1947)، وهي أول امرأة مصرية خلعت غطاء الرأس علناً متحدية المجتمع، ودشّنت شعراوي كثيراً من الفعاليات النسائية، أبرزها الاتحاد النسائي المصري سنة 1927، والذي ترأسته حتى وفاتها، والمؤتمر النسائي العربي سنة 1944، وكانت تنادي بحقوق المرأة في التعليم والعمل والميراث وغيرها.
لكن كثيرين ربما لم يصادفوا قصة مفصلية حول علاقة ابنها محمد شعراوي، بالمطربة المعروفة في ذاك الزمان، فاطمة سري، والتي أثمرت طفلة من دون زواج تمسك بها الأب بداية، ووثقها كتابة بإقرار رسمي.
لكن رائدة حقوق المرأة الثرية التي كانت تملك عائلتها الإقطاعية أكثر من 100 ألف فدان من الأراضي الزراعية، رفضت العلاقة كلياً، وأجبرت ابنها على إنكارها وإنكار ابنته، والتنصل من كل وعوده، قبل أن تقضي محكمة بصحة نسب الطفلة إليه، فيخضع ومعه أمه لقرار القضاء.

قصة على بساطتها، كفيلة بتشويه تاريخ رائدة الدفاع عن حقوق النساء.

يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الخميس، 28 سبتمبر، 2017

(بتاعة) أحمد الفيشاوي في مهرجان ساويرس (السينماوي)





الممثل المصري أحمد الفيشاوي كان ضمن حضور حفل افتتاح مهرجان الجونة السينمائي(مهرجان ساويرس)، مساء أمس الجمعة. وكان فيلمه الجديد (الشيخ جاكسون) من إخراج عمرو سلامة، هو فيلم الافتتاح، ولما ظهر فريق العمل على المسرح لم يكن موجودا، ثم ظهر لاحقا وحده ليقول كلمة قبل الفيلم..

ولأن الحفل في مسرح مفتوح وهذا غير مقبول في معظم مهرجانات السينما العالمية، كان فيه تيار هواء قوي يؤثر على الصوت، لكن المصيبة إن عرض الفيلم كان على شاشة في نفس المكان المفتوح بالمخالفة لكل القواعد السينمائية في المهرجانات.
الفيشاوي كان من حقه كفنان رفض العرض بالطريقة دي، لكنه تمنى للجمهور الاستمتاع بالفيلم، وقال (يا رب تعرفوا تتفرجوا على الفيلم على البتاعة الخرا دي)، مشيرا إلى الشاشة المهتزة بفعل الهواء، بمعنى إنه معترض على وسيلة العرض اللي هتأثر على تلقي الجمهور لفيلمه.

أحمد الفيشاوي كان معاه حق في أن وسيلة العرض غير مناسبة. لكن اللفظ اللي قاله أغضب ناس كتير، رغم أنه لفظ عفوي، وكلمة دارجة بيستخدمها الجميع. أصلا أي حد فيهم سمع أو شاف ساويرس بيتكلم يعرف إنه بيستخدم نوع الألفاظ دي عادي جدا، ولما بيقول الألفاظ دي كلهم بيضحكوا حتى لو كان (الإيفيه) بايخ...
من بعد حفل الافتتاح فيه حملة هجوم واسعة على الفيشاوي، مش عشان الفيلم وحش، تقريبا محدش لسه اتكلم على الفيلم، ولكن عشان قال كدا علنا في الحفل.

اللي كاتب إنه كان سكران أو تحت تأثير المخدرات بدون دليل. واللي كاتب أصله طول عمره قليل الأدب، وناس بتسترجع قصة علاقته العاطفية اللي أثمرت طفلة وشغلت الوسط لسنوات كدليل، وناس كاتبة إنه ممثل نص كم، والله كدا، واللي كاتب إن اللي عمله دا اساءة للمهرجان، وفيه شوية مهابيل كاتبين إنه اساءة لمصر ذات نفسها.
قسم من المهاجمين بينافقوا المهرجان، أو بالتحديد بينافقوا ساويرس نفسه، وقسم عندهم مشاكل شخصية مع الفيشاوي. لكن القسم الأكبر هم أشخاص بلا منطق ولا مبدأ أصلا.

عموما، من حق أي شخص ينتقد الآخرين، طالما أنه لا يخضع النقد لحسابات ومصالح، وطالما النقد غير مبنى على جهل، الفيشاوي عبر عن رأيه في وضغ غلط، حتى لو كنت من اللي شايفين إن اللفظ غير مناسب، فكان لازم كمان تنتقد غلطة المهرجان.

والفيشاوي رغم كل مشاكله الشخصية، أحد أهم ممثلي جيله، لا يشكك في هذا إلا جاهل.

في رأيي المتواضع، لازم صحفيين الفن في مصر والعالم العربي يخضعوا لكورسات إجبارية تشمل إعادة مشاهدة حفلات افتتاح مهرجانات سينما حقيقية مش مهرجاناتنا الصغيرة التجارية أو الدعائية قبل ما يشتغلوا. ساعتها يمكن يفهموا إن المهرجانات ساحة حرة لإبداء الرأي، مثل السينما تماما، ولا يعني أننا نعيش في مجتمعات قمعية أو مقيدة للحريات أن يصبح أي رأي حر جريمة، سيبوا التصنيف دا للحكومة، ولا تكونوا قمعيين مثلها.

بالمناسبة، لما إدارة المهرجان قررت منع الصحفيين المدعويين، أو بعضهم، قائلة: اللي مش عاجبه الباب يفوت جمل، وعلى حسابنا كمان) مكنش كلام خارج؟ ومهين؟

لمعلوماتك، بما إنهم منعوك تحضر الافتتاح، عادل إمام قال على المسرح (أنا لا باحضر مهرجانات ولا باحضر نيلة) إلا لو كنت شايف النيلة ألطف من الخرا.

ياريت كمان يعلموا الصحفيين الكتابة، لأن الفنانين يسخرون من الصحفيين أكثر مما يسخر الصحفيون من الفنانين. استقيموا.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأربعاء، 27 سبتمبر، 2017

هدى شعرواي.. الوجه الأخر لزعيمة المدافعات عن حقوق المرأة




هدى شعراوي (1878 ـ 1947) هي نور الهدى ابنة محمد سلطان باشا، ربيبة أحد أكبر بيوتات مصر، الذين عُرفوا بالثراء والتأثير الواسع في الرأي العام. توفي والدها في وقت مبكر من حياتها، إذ كانت طفلة دون التاسعة من عمرها، وتولى ابن عمها والوصي عليها علي باشا شعراوي تربيتها ورعايتها، وكان علي باشا شخصية صارمة حازمة، لا يرى تعليم البنات، فحرمها من التعليم، فيما أفسح المجال لأخيها الأصغر عمر، وألحقه بالمدارس.
عندما أتمَّت هدى التاسعة من عمرها طلبها "شعراوي باشا" زوجة له، فوافقت أمها على الفور، ثمَّ زفَّت النبأ لابنتها التي امتقع لونها، وصُدمت، فالفارق بينها وبين شعراوي باشا يقارب الأربعين عاماً، وهي في سن ابنته، فقد كان شعراوي متزوجاً من امرأة أخرى، وله منها ابن في نفس عمرها.
اعترضت هدى بشدة على الطلب الذي اعتبرته سخيفاً، لكن لم يكن هناك مخرج، فأشارت عليها أمها أن توافق، على شرط أن يطلق شعراوي زوجته الأولى، وأن ينصّ على هذا في عقد الزواج، فوافقت بعد إلحاح من أمها على هذا الحل الذي أراحها جزئياً، وتمَّ الزفاف في حفل ضخم، وبعد أن انتهى شهر العسل بأيام؛ بدأت الشائعات تتناثر بأنَّ الزوجة الأولى تطوف بيوت الأعيان وتقول إنَّ علي باشا شعراوي أعادها إلى عصمته، فجنَّ جنون هدى شعراوي، وأصرَّت على الطلاق، فاضطر على شعراوي أن يطلِّق زوجته على مضض، وعادت المياه إلى مجاريها بين هدى وزوجها، ولكنها كانت مياه راكدة لم يحركها وجود "بسمة" و"محمد" اللذين رزقت بهما من علي باشا شعراوي. 
هذه الخلفية الاجتماعية التي انطلقت منها هدى شعراوي، جعلتها متمردة حانقة على كل شيء، وكانت في طليعة النساء التحرريات، بل كانت من أهم الرموز النسائية في العالم العربي، وكانت أول امرأة تخلع الحجاب علانية أمام الناس وتدوسه بقدميها مع زميلتها "سيزا نبراوي" عقب عودتهما من مؤتمر نسائي دولي سنة 1923، وكانت هدى حلقة الوصل بين الحركات النسائية العربية ونظيرتها الغربية، إذ شاركت في 14 مؤتمراً نسائياً دولياً في أنحاء العالم العربي، وأسست 15 جمعية نسائية في مصر وحدها، وكانت رئيسة الاتحاد النسائي المصري، وأسست مجلتين نسائيتين، واحدة بالعربية والأخرى بالفرنسية، ونقلت أفكار تحرير المرأة من مصر إلى بقية الدول العربية.

أقامت هدى شعراوي حفلاً كبيراً في "سرايتها" بعد اختلافها مع سعد زغلول وقتذاك، وفي الحفل شاهد محمَّد شعراوي، ابن هدى شعراوي المطربة "فاطمة سري" (التي أحيت الحفل)، فأعجب بها ووقع حبها في قلبه، فراح يلاحقها من حفل إلى حفل، ومن مكان إلى مكان، وهي معرضة عنه، ممَّا أشعل حبها في قلبه، وبدأت قصة الحب تتطور، ثم أشارت إحدى المجلات إلى هذه القصة على صفحاتها، فانزعجت المطربة، لكن الباشا لم ينزعج، وقال لها: أريد أن تعرف الدنيا كلها أني أحبك.
وعندما علم طليق المطربة بالقصة ثار عليها وحرمها من ولديها، ففكر محمد شعراوي في الانسحاب بعد ما تورَّطت معه وثارت من حولهما الشبهات، فكتب لها شيكاً بمبلغ كبير ثمناً للوقت الذي أمضاه معها، فما كان منها إلا أن مزَّقت الشيك وداسته بأقدامها وتركته وهي ثائرة غاضبة، فلحق بها محمَّد شعراوي واعتذر لها عن سوء تصرفه وعرض عليها الزواج بشكل عرفي، فاعترضت المطربة وقالت إنَّها تريد عقداً شرعياً، فطلب منها أن تمهله حتى يسترضي والدته.
في هذه الأثناء كانت المطربة قد شعرت بدبيب الحمل وقررت إجهاض نفسها، وعندما أخبرها الطبيب بأنَّ هذا الإجراء خطر على حياتها، تمسك شعراوي بها وبالجنين، وكتب الإقرار التالي بخط يده.
وقد نقل تفاصيل هذه الواقعة الكاتب مصطفى أمين في كتابه "مسائل شخصية":

إقـرار 
أقرُّ أنا الموقع على هذا محمد على شعراوي نجل المرحوم على باشا شعراوي، من ذوي الأملاك، ويقيم بالمنزل شارع قصر النيل رقم 2 قسم عابدين بمصر، أنني تزوجت الست فاطمة كريمة المرحوم "سيد بيك المرواني" المشهورة باسم "فاطمة سري" من تاريخ أول سبتمبر سنة 1924 ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين أفرنكية، وعاشرتها معاشرة الأزواج، وما زلت معاشراً لها إلى الآن، وقد حملت مني مستكناً في بطنها الآن، فإذا انفصل فهذا ابني، وهذا إقرار مني بذلك.
وأنا متصف بكافة الأوصاف المعتبرة بصحة الإقرار شرعاً وقانوناً، وهذا الإقرار حجة عليَّ تطبيقاً للمادة 135 من لائحة المحاكم الشرعية، وإن كان عقد زواجي بها لم يعتبر، إلا أنَّه صحيح شرعي مستوف لجميع شرائط عقد الزواج المعتبرة شرعاً. 
محمد علي شعراوي 
القاهرة في 15 يونيو 1925

وعلمت هدى شعراوي بزواج ابنها الوحيد من المطربة، فثارت ثورة عارمة واتهمت ابنها بأنَّه يحاول قتلها بهذا الزواج، وحاولت الضغط على المطربة بما لها من نفوذ وعلاقات واسعة، بالتهديد بتلفيق ملف سري في شرطة الآداب يتهمها بالدعارة، لكن المطربة تحدتهم وقالت إنها ستطلق بنفسها الرصاص على أي وزير داخلية يقوم بهذا التزوير.
اشتعلت المعركة بين هدى شعراوي وابنها وزوجته المطربة، فقرر ابنها السفر إلى أوربا وطلب من زوجته اللحاق به، فكان يتنقَّل من مدينة إلى مدينة، ومن بلد إلى بلد تاركاً ـ لزوجته - في كل مدينة وفي كل بلد رسالة مفادها أن الحقي بي، لكنها برغم حرصها على اللحاق به لم تعثر عليه في أي مكان ذهبت إليه، ويبدو أنَّه كان يتهرَّب منها، فعادت المطربة إلى مصر ومعها طفلتها "ليلى" التي أخفتها عن العيون خوفاً عليها.
وبعد مدة عاد شعراوي ليسأل عنها وعن ابنته ويسألها أيضاً عن الإقرار، فسألته: هل يهمك الحصول على هذه الورقة؟ فقال: بهذا تثبتين إخلاصك لي إلى الأبد، فمدَّت يدها تحت الحشية التي كان يجلسان عليها وأخرجت الورقة وسلمتها له، بعد أن قامت بتصويرها "زنكوغراف" صورة مطابقة للأصل، لم يتبين شعراوي أنَّها صورة، فالخط خطه ولون الحبر نفسه، وكانت هذه نصيحة محاميها.
خرج شعراوي بعد ما طمأنها بأنَّه سيحتفظ بالورقة في مكان آمن لتكون دليلاً ترثه ابنته به، ثم احتضن الصغيرة، وقبل الزوجة وخرج وهو يقول إنَّه سيعود صباح اليوم التالي، ولم يعد أبداً! اتصلت به المطربة هاتفياً، فأنكر نفسه، فعاودت الاتصال، فوجدته وقد انهال عليها سباً وشتماً، وأغلق في وجهها الخط.
بعدما يأست المطربة فاطمة سري من شعراوي باشا كتبت الخطاب التالي إلى والدته السيدة هدى شعراوي زعيمة النهضة النسائية في مصر، فقالت:

سيدتي: سلاماً وبعد، 
إنَّ اعتقادي بك وبعدلك، ودفاعك عن حق المرأة، يدفعني كل ذلك إلى التقدم إليك طالبة الإنصاف، وبذلك تقدمين للعالم برهاناً على صدق دفاعك عن حق المرأة، ويمكنك حقيقة أن تسيري على رأس النساء مطالبة بحقوقهن، ولو كان الأمر قاصراً عليَّ لما أحرجت مركزك، لعل أنَّك أم تخافين على ولدك العزيز أن تلعب به أيدي النساء وتخافين على مستقبله من عشرتهن، وعلى سمعته من أن يقال إنَّه تزوَّج امرأة كانت فيما مضى من الزمان تغني على المسارح، ولك حق إن عجزتِ عن تقديم ذلك البرهان الصارم على نفسك؛ لأنَّه يصيب من عظمتك وجاهك وشرف عائلتك، كما تظنون يا معشر الأغنياء.
 ولكن هناك طفلة مسكينة هي ابنتي وحفيدتك، إنَّ نجلك العزيز، والله يعلم، وهو يعلم، ومن يلقي عليها نظرة واحدة يعلم ويتحقق من أنَّها لم تدنس ولادتها بدم آخر، والله شهيد، طالبت بحق هذه الطفلة المعترف بها ابنك كتابياً، قبل أن يتحوَّل عني وينكرها وينكرني، فلم أجد من يسمع لندائي، وما مطالبتي بحقها وحقي كزوجة طامعة في مالكم، كلا! والله فقد عشت قبل معرفتي بابنك، وكنت منزهة محبوبة كممثلة تكسب كثيراً، وربما أكثر ممَّا كان يعطيه لي ابنك، وكنت متمتعة بالحرية المطلقة، وأنت أدرى بلذة الحرية المطلقة التي تدافعين عنها، ثم عرفت ابنك فاضطرني أن أترك عملي وأنزوي في بيتي، فأطعته غير طامعة بأكثر ممَّا كان يجود به، وما كنت لأطمع أن أتزوَّج منه، ولا أن ألد منه ولداً، ولكن هذه غلطة واسأليه عنها أمامي، وهو الذي يتحمَّل مسؤوليتها، فقد كنت أدفع عن نفسي مسألة الحمل مراراً وتكراراً، حتى وقع ما لم يكن في حسابي، هذه هي الحقيقة الواقعة وانتهى الأمر. 
والآن يتملَّص ولدك من كل شيء، ولا يريد الاعتراف بشيء، وقد شهد بنفسه من حيث لا يدري بتوسيطه كثيرين في الأمر، وما كنت في حاجة لوساطة، ولو كان تقدَّم إليَّ طالباً فك قيده لفعلت، وكانت المسألة انتهت في السر، ولم يعلم بها أحد، فعرض عليَّ في الأول قدراً من المال بواسطة علي بك سعد الدين (سكرتير عام وزارة الأشغال)، وبواسطة الهلباوي بك (المحامي الكبير) وغيرهم ممَّن حضروا إليَّ ظانين أنني طامعة في مالهم، وأنَّه في إمكاني إنكار نسب ابنتي إذا أغروني!
ولكنني أخاف إلهاً عادلاً بأنَّه سيحاسبني يوماً عن حقوقها ـ إن لم تحاسبني هي عليها ـ فلم يجد محمد مني قبولاً للمال، وعندما وجد مني امتناعاً عن إنكار نسب ابنته سكت عني تماماً، فوسطت "فهيم أفندي باخوم" محاميه، فاجتهد في إقناعه بصحَّة حقوقي وعقودي واعترافه بابنته، وتوسَّط في أن ينهي المسألة على حل يرضي الطرفين، فلم يقبل نجلك نصيحته بالمرة، وكان جوابه أن ألجأ برفع دعوى عليه ومقاضاته، وهو يعلم تماماً أنَّ نتيجة الدعوى ستكون في صالحي.
 فلا أدري ماذا يفيده التشهير في مسألة كهذه سيعلم بها الخاص والعام، وسنكون أنا وأنتم مضغة في الأفواه، وأنت أدرى بجونا المصري وتشنيعه، خصوصاً في مسألة كهذه، وهذا ما يضطرني إلى أن أرجع إليك قبل أن أبدأ أية خطوة قضائية ضده، وليس رجوعي هذا عن خوف أو عجز، فبرهاني قوي ومستنداتي لا تقبل الشك وكلها لصالحي، ولكن خوفاً على شرفكم وسمعتكم وسمعتي.
ولو أنني كما تظنون لا أبالي، فربما كانت مبالاتي في المحافظة على سمعتي وشرفي أكثر من غيري في حالتي الحاضرة، فهل توافقين يا سيدتي على رأي ولدك في إنهاء المسألة أمام المحاكم؟
 أنتظر منك التروي في الأمر، والردّ عليَّ في ظرف أسبوع؛ لأنني قد مللتُ كثرة المتداخلين في الأمر.. 
ودمت للمخلصة فاطمة سري

ما كادت هدى شعراوي تنتهي من قراءة رسالة المطربة حتى ثارت ثائرتها، واعتبرتها إعلاناً لحرب، واعتبرتها إنذاراً نهائياً مدته أسبوع واحد، فنست كل مبادئها للتحرير، وخاضت معارك عنيفة ضد المطربة، وبعد سنوات من المرافعات والضغوط والتدخلات، إذا بالمحكمة الشرعية تحكم بأنَّ "ليلى" هي ابنة محمد شعراوي، وفي الحال خضعت هدى شعراوي لحكم القضاء. 


وهنا مصادر لقصة خيانة والدها محمد باشا سلطان للوطن وتواطئه مع الانجليز على احتلال مصر ضد أحمد عرابي.






يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية
حدث خطأ في هذه الأداة